الحلبي

4

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

منه صلى اللّه عليه وسلم قبل ذلك ، وكانت غيبته عن المدينة أربع عشرة ليلة ا ه . وذكر بعضهم « أنه صلى اللّه عليه وسلم لما رجع من بني لحيان وقف على الأبواء فنظر يمينا وشمالا ، فرأى قبر أمه آمنة ، فتوضأ ثم صلى ركعتين فبكى وبكى الناس لبكائه ثم قام فصلى ركعتين ثم انصرف إلى الناس وقال لهم صلى اللّه عليه وسلم : ما الذي أبكاكم ؟ قالوا : بكيت فبكينا يا رسول اللّه ، قال : ما ظننتم ؟ قالوا ، ظننا أن العذاب نازل علينا ، قال : لم يكن من ذلك شيء ، قالوا : ظننا أن أمتك كلفت من الأعمال ما لا تطيق ، قال : لم يكن من ذلك شيء ولكني مررت بقبر أمي فصليت ركعتين ثم استأذنت ربي عز وجل أن أستغفر لها فزجرت زجرا » أي منعت عن ذلك منعا شديدا « فأبكاني » وفي لفظ « فعلى بكائي هذ » أي فعلى هذا بكائي . والذي في الوفاء « أنه صلى اللّه عليه وسلم وقف على عسفان ، فنظر يمينا وشمالا ، فأبصر قبر أمه فورد الماء ، فتوضأ ثم صلى ركعتين ، قال بريدة : فلم يفجأنا إلا ببكائه ، فبكينا لبكاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم انصرف فقال : ما الذي أبكاكم ؟ » الحديث . « ثم دعا براحلته فركبها ، فسار يسيرا فأنزل اللّه تعالى ما كانَ لِلنَّبِيِّ [ التّوبة : الآية 113 ] صلى اللّه عليه وسلم وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [ التّوبة : الآية 113 ] إلى آخر الآيتين ، فلما سري عنه الوحي قال : أشهدكم أني بريء من آمنة كما تبرأ إبراهيم من أبيه . أي وهذا السياق يدل على أن هاتين الآيتين غير ما زجر به عن الاستغفار لها المتقدّم في قوله « فزجرت زجرا » فليتأمل . وفي مسلم عن أبي أيوب رضي اللّه عنه قال « زار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ، فقال : استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزورها » أي بعد ذلك « فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت » . وسيأتي عن عائشة رضي اللّه عنها « أن في حجة الوداع مرّ صلى اللّه عليه وسلم على عقبة الحجون فنزل وقال لها : وقفت على قبر أمي » وسيأتي أن ذلك يدل على أن قبر أمه بمكة لا بالأبواء ، وتقدم الجمع بين كونه بالأبواء ، وكونه بمكة ، وسيأتي بالحديبية أنه صلى اللّه عليه وسلم زار قبرها وفي فتح مكة أيضا ، وسيأتي الكلام على ذلك وأن ذلك كان قبل إحيائها له وإيمانها به صلى اللّه عليه وسلم . غزوة ذي قرد بفتح القاف والراء ، وقيل بضمهما ، أي وقيل بضم الأول وفتح الثاني : اسم ماء . والقرد في الأصل : الصوف الرديء ، ويقال لها غزوة الغابة ، والغابة : الشجر الملتف .