الحلبي

393

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وهل يشبع محمد وأصحابه من الطعام ؟ فانطلق مع أبي جهل حتى أتى مجلس بني مخزوم فقال : هل تزعمون أن محمدا كذاب فهل رأيتموه كذبكم قط ؟ قالوا : اللهم لا ، قال : فتزعمون أنه مجنون فهل رأيتموه خرفكم قط ؟ أي أتى بالخرافات من القول ؟ قالوا : لا ، قال : تزعمون أنه كاهن فهل سمعتموه يخبر بما تخبر به الكهنة ؟ قالوا لا ، فعند ذلك قالت له قريش ، فما هو يا أبا المغيرة ؟ فقال : إن هذا إلا سحر يؤثر . وقد سمع أعرابي رجلا يقرأ فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [ الحجر : الآية 94 ] فسجد ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : سجدت لفصاحة هذا الكلام . وسمع آخر رجلا يقرأ فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا [ يوسف : الآية 80 ] فقال : أشهد أن مخلوقا لن يقدر على مثل هذا الكلام . أي ولما سمع الأصمعي من جارية خماسية أو سداسية فصاحة فعجب منها ، فقالت له : أو تعدّ هذا فصاحة بعد قوله تعالى وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [ القصص : الآية 7 ] الآية فجمع فيها بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين ؟ ولما أراد بعضهم معارضة بعض سوره وقد أوتي من الفصاحة والبلاغة الحظ الأوفى ، فسمع صبيا في المكتب يقرأ وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ [ هود : الآية 44 ] رجع عن المعارضة ومحا ما كتبه . وقال واللّه ما هذا من كلام البشر . قال بعضهم : ولم يتحدّ صلى اللّه عليه وسلم بشيء من معجزاته إلا بالقرآن . قال بعضهم : كل جملة من القرآن معجزة ، وحفظ من التبديل والتحريف على ممر الدهور ، وقارئه لا يمله ، وسامعه لا يمجه ، بل لا يزال مع تكريره وترديده غضا طريا ، تتزايد حلاوته ، وتتعاظم محبته ، وغيره من الكلام ولو بلغ الغاية يمل من الترداد ويعادي ، إذا أعيد يؤنس به في الخلوات ويستراح بتلاوته من شدائد الأزمات ، واشتمل على جميع ما اشتملت عليه جميع الكتب الإلهية وزيادة . وقد قال بعض بطارقة الروم لما أسلم لعمر رضي اللّه تعالى عنه : إن آية وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ [ النور : الآية 52 ] جمعت جميع ما أنزل على عيسى عليه الصلاة والسلام من أحوال الدنيا والآخرة . قال الحليمي في منهاجه : ومن عظم قدر القرآن أن اللّه خصه بأنه دعوة وحجة ، ولم يكن هذا النبي قط ، إنما يكون لكل منهم دعوة ، ثم يكون له حجة غيرها ، وقد جمعهما اللّه تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم في القرآن ، فهو دعوة وحجة ، دعوة بمعانيه ، حجة بألفاظه . وكفى الدعوة شرفا أن تكون حجتها معها ، وكفى حجتها شرفا أن لا تنفصل دعوتها عنها . وجمع كل شيء أي خصوصا الإخبار بالمغيبات ، وتوجد على طبق ما