الحلبي
378
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
أقول : الذي في مسلم قال للحلاق : « ها وأشار بيده إلى جانبه الأيمن ، فقسم شعره بين من يليه » وفي رواية : « فوزعه الشعرة والشعرتين ، ثم أشار إلى الحلاق وإلى جانبه الأيسر فحلقه فأعطاه لأم سليم » وفي رواية « هال هاهنا أبو طلحة » وفي لفظ : « أين أبا طلحة فدفعه إلى أبي طلحة » . وفي رواية : « ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه ، ثم دعا أبا طلحة فأعطاه إياه ، ثم ناوله الشق الأيسر فحلقه وأعطاه أبا طلحة ، فقال اقسم بين الناس » والجمع ممكن بين هذه الروايات ، واللّه أعلم . وعن بعضهم قال : شقت قلنسوة خالد بن الوليد رضي اللّه عنه يوم اليرموك وهو في الحرب فسقطت فطلبها طلبا حثيثا فعوقب في ذلك ، فقال : إن فيها شيئا من شعر ناصية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإنها ما كانت معي في موقف إلا نصرت بها . وعن أنس رضي اللّه عنه ، قال : « رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والحلاق يحلقه وقد طاف به أصحابه ما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل » . ثم تطيب صلى اللّه عليه وسلم ، طيبته عائشة رضي اللّه عنها بطيب فيه مسك قبل أن يطوف طواف الإفاضة ، ويقال له طواف الركن ، ويقال له طواف الصدر ، والأشهر أن طواف الصدر طواف الوداع . وحلق بعض أصحابه وقصر بعض آخر . وعند ذلك قال صلى اللّه عليه وسلم « اللهم اغفر للمحلقين ، قالوا : والمقصرين ، فأعاد صلى اللّه عليه وسلم : وأعادوا ثلاثا ، وقال في الرابعة والمقصرين » . والصحيح المشهور أنه قال ذلك في هذه الحجة التي هي حجة الوداع كما قال ذلك في الحديبية كما تقدم ، وقيل لم يقله إلا في الحديبية ، وبه جزم إمام الحرمين في النهاية . وقال النووي : ولا يبعد أن يكون وقع ذلك منه صلى اللّه عليه وسلم في الموضعين . قال في فتح الباري : بل هو المتعين لتظافر الروايات بذلك في الموضعين ، أي فإن في مسلم في حجة الوداع عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم اغفر للمحلقين ، قالوا : يا رسول اللّه وللمقصرين ، قال : اللهم اغفر للمحلقين ، قالوا : يا رسول اللّه وللمقصرين . قال : اللهم اغفر للمحلقين ، قالوا : يا رسول اللّه وللمقصرين ، قال . وللمقصرين ، ثم نهض صلى اللّه عليه وسلم راكبا إلى مكة فطاف في يومه ذلك طواف الإفاضة قبل الظهر وشرب من نبيذ السقاية » . فعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : « مر النبي صلى اللّه عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة رضي اللّه عنه فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ » : أي من سقاية العباس رضي اللّه عنه ، فإنهم كانوا يضعون في السقاية التمر والزبيب كما تقدم ، فشرب صلى اللّه عليه وسلم وسقى فضله لأسامة رضي اللّه تعالى عنه ، وقال : أحسنتم وأجملتم ، كذا فاصنعوا . ثم شرب صلى اللّه عليه وسلم من ماء