الحلبي
350
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ذهب إلى مصر فلم يجده فذهب إلى الإسكندرية ، فأخبر أنه في مجلس مشرف على البحر ، فركب حاطب رضي اللّه عنه سفينة وحاذى مجلسه ، وأشار بالكتاب إليه ، فلما رآه أمر باحضاره بين يديه ، فلما جيء به نظر إلى الكتاب وفضه وقرأه ، وقال لحاطب : ما منعه إن كان نبيا أن يدعو على من خالفه : أي من قومه ، وأخرجوه من بلده إلى غيرها أن يسلط عليهم ، فاستعاد منه الكلام مرتين ثم سكت ، فقال له حاطب : ألست تشهد أن عيسى ابن مريم رسول اللّه ؟ فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يقتلوه أن لا يكون دعا عليهم أن يهلكهم اللّه تعالى حتى رفعه اللّه إليه ؟ قال : أحسنت ، أنت حكيم جاء من عند حكيم ، ثم قال له حاطب رضي اللّه عنه : إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى يعني فرعون فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى ( 25 ) [ النّازعات : الآية 25 ] فانتقم به ثم انتقم منه ، فاعتبر بغيرك ولا يعتبر غيرك بك ، إن هذا النبي صلى اللّه عليه وسلم دعا الناس ، فكان أشدّهم عليه قريش ، وأعداهم له يهود ، وأقربهم منه النصارى ، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى عليهما الصلاة والسلام إلا كبشارة عيسى بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل ، وكل نبي أدرك قوما فهم أمته ، فالحق عليهم أن يطيعوه ، فأنت ممن أدرك هذا النبي . ولسنا ننهاك عن دين المسيح عليه السلام ، ولكنا نأمرك به . فقال : إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه ، ولا ينهى عن مرغوب عنه ، ولم أجده بالساحر الضالّ ولا الكاهن الكذاب ، ووجدت معه آلة النبوّة بإخراج الخبء بفتح الخاء المعجمة وهمز في آخره : أي الشيء الغائب المستور ، والإخبار بالنجوى ، أي يخبر بالمغيبات وسأنظر ، وأخذ كتاب النبي صلى اللّه عليه وسلم وجعله في حق عاج ، وختم عليه ، ودفعه إلى جارية له . ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية ، فكتب إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم : « بسم اللّه الرحمن الرحيم . لمحمد بن عبد اللّه من المقوقس عظيم القبط ، سلام عليك . أما بعد : فقد قرأت كتابك ، وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه ، وقد علمت أن نبيا قد بقي ، وقد كنت أظن أنه يخرج بالشام ، وقد أكرمت رسولك » ، أي فإنه قد دفع له مائة دينار وخمسة أثواب « وبعثت لك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم » أي وهما مارية وسيرين بالسين المهملة مكسورة « وبثياب : أي وهي عشرون ثوبا من قباطي مصر » قال بعضهم : وبقيت تلك الثياب حتى كفن صلى اللّه عليه وسلم في بعضها . وفي كلام هذا البعض : وأرسل له صلى اللّه عليه وسلم عمائم وقباطي وطيبا وعودا وندا ومسكا مع ألف مثقال من الذهب ومع قدح من قوارير ، فكان صلى اللّه عليه وسلم يشرب فيه ، أي لأنه سأل حاطبا رضي اللّه عنه فقال : أي طعام أحب إلى صاحبكم ؟ قال : الدباء : يعني القرع ، ثم قال له : في أي شيء يشرب ؟ قال : في قعب من خشب ، ثم قال « وأهديت إليك بغلة لتركبها ، والسلام عليك » ، ولم يزد على ذلك ، ولم يسلم .