الحلبي
35
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
عليه الشمس ، وحصل للناس مجاعة ، فقالوا : يا رسول اللّه جهدنا : أي أصابنا الجهد وهو المشقة من الجوع وفي الناس ظهر : أي إبل فانحره لنأكل من لحمه ، ولندهن من شحمه ، ولنحتذ من جلوده ، فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : لا تفعل يا رسول اللّه ، فإن الناس إن يكن فيهم بقية ظهر أمثل ، كيف بنا إذا لاقينا العدو غدا جياعا رجالا ، أي ثم قال : ولكن إن رأيت أن تدعو الناس إلى أن يجمعوا بقايا أزوادهم ثم تدعو فيها بالبركة ، فإن اللّه سيبلغها بدعوتك ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ابسطوا أنطاعكم وعباءكم ففعلوا ، ثم قال : من كان عنده بقية من زاد أو طعام فلينثره ، ودعا لهم ، ثم قال : قربوا أوعيتكم ، فأخذوا ما شاء اللّه ، أي وحشوا أوعيتهم وأكلوا حتى شبعوا وبقي مثله حتى شبعوا وبقي مثله . وفي مسلم « خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة فأخذنا جهد حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا ، فأمرنا النبي صلى اللّه عليه وسلم فجمعنا من أزوادنا فبسطنا له نطعا ، فاجتمع زاد القوم على النطع ، فكان كربضة العنز » أي كقدر العنز وهي رابضة أي باركة « وكنا أربع عشرة مائة » وقال الراوي « فأكلنا حتى شبعنا ثم حشونا جربنا ، فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى بدت نواجذه ، وقال : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأني رسول اللّه ، واللّه لا يلقى اللّه عبد مؤمن بهما إلا حجب من النار ، وقال صلى اللّه عليه وسلم لرجل من أصحابه : هل من وضوء » بفتح الواو : وهو ما يتوضأ به « فجاء رجل بإداوة » وهي الركوة « فيها نطفة من ماء » أي قليل من ماء ، وقيل للماء نطفة لأنه ينطف أي يصب « فأفرغها في قدح ، أي ووضع راحته الشريفة في ذلك الماء » قال الراوي « فتوضأنا كلنا ، أي الأربع عشرة مائة ندغفقه دغفقة » أي نصبه صبا شديدا « ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا : هل من طهور ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فرغ الوضوء » وإلى تكثير الطعام والماء أشار صاحب الهمزية رحمه اللّه تعالى بقوله في وصف راحته الشريفة : أحييت المرملين من موت جهد * أعوز القوم فيه زاد وماء أي حفظت على المحتاجين للزاد والماء حياتهم ، فسلموا من موت قحط شديد ، أعوز القوم في ذلك القحط زاد وماء . وقال الإمام السبكي في تائيته في تكثير الماء : وعندي يمين لا يمين يئنّ في * يمينك وكفا حيثما السحب ضنت ولما أنزلت عليه صلى اللّه عليه وسلم سورة الفتح ، قال له جبريل عليه السلام يهنئك يا رسول اللّه ، وهنأه المسلمون وتكلم بعض الصحابة وقال : ما هذا بفتح ، لقد صدونا عن البيت وصدّ هدينا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما بلغه ذلك : بئس الكلام بل هو أعظم الفتح ، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالبراح عن بلادهم ، وسألوكم القضية