الحلبي
328
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وفي بعضها ، أنه خرج إلى المصلى بعد أن وعد الناس يوما يخرج فيه ونصب له منبرا واستسقى وأجيبت دعوته ونزل المطر وجاء إليه صلى اللّه عليه وسلم أعرابي . وقال له : يا رسول اللّه أتيناك وما لنا بعير يئط ، ولا صغير يغط ، ثم أنشد شعرا يقول فيه : وليس لنا إلا إليك فرارنا * وأين فرار الناس إلا إلى الرسل فقام صلى اللّه عليه وسلم يجر رداءه حتى صعد المنبر فدعا فسقي ، ثم قال صلى اللّه عليه وسلم : لو كان أبو طالب حيا لقرت عيناه ، من ينشدنا قوله ؟ فقام علي كرم اللّه وجهه فقال : يا رسول اللّه كأنك تريد قوله : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل الأبيات . فقال صلى اللّه عليه وسلم : « أجل » . وفي رواية : « لما جاءه صلى اللّه عليه وسلم المسلمون : وقالوا : يا رسول اللّه ، قحط المطر ، ويبس الشجر ، وهلكت المواشي وأسنت الناس ، فاستسق لنا ربك ، فخرج صلى اللّه عليه وسلم والناس معه يمشون بالسكينة والوقار حتى أتوا المصلى ، فتقدم صلى اللّه عليه وسلم فصلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة وكان يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب : و سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( 1 ) [ الأعلى : الآية 1 ] ، وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب و هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ ( 1 ) [ الغاشية : الآية 1 ] ، فلما قضى صلاته استقبل الناس بوجهه وقلب رداءه لكي ينقلب القحط إلى الخصب ، ثم جثى صلى اللّه عليه وسلم على ركبتيه ورفع يديه وكبر تكبيرة ، ثم قال : اللهم اسقنا ، وأغثنا غيثا مغيثا رحيما واسعا وجدا ، طبقا مغدقا عاما ، هنيئا مريئا مربعا مرتعا وابلا ، سائلا مسيلا ، مجللا دائما ، دارّا نافعا ، غير ضار ، عاجلا غير وأب غيثا . اللهم تحيي به البلاد ، وتغيث به العباد ، وتجعله بلاغا للحاضر منا والباد . اللهم أنزل في أرضنا زينتها ، وأنزل علينا سكنها . اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا ، تحيي به بلدة ميتة واسعة ، مما خلقت أنعاما وأناسيّ كثيرا ، فما برحوا حتى أقبل قزع من السحاب فالتأم بعضه إلى بعض . ثم أمطرت سبعة أيام لا تقلع عن المدينة ، فأتاه صلى اللّه عليه وسلم المسلمون فقالوا : قد غرقت الأرض ، وتهدمت البيوت ، وانقطعت السبل ، فادع للّه يصرفها عنا ، فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو على المنبر حتى بدت نواجذه ، تعجبا لسرعة ملالة ابن آدم . ثم رفع يديه ، ثم قال : اللهم حوالينا ولا علينا . اللهم على رؤوس الظراب ، ومنبت الشجر ، وبطون الأودية ، وظهور الآكام ، فتقشعت عن المدينة ثم قال صلى اللّه عليه وسلم : للّه در أبي طالب لو كان حيا قرت عيناه ، من الذي ينشدنا قوله ؟ فقام علي كرم اللّه وجهه فقال : يا رسول اللّه كأنك أردت قوله فقال الأبيات . ومنها وفد بني أسد . وفد على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رهط من بني أسد ، منهم ضرار بن الأزور ، ووابصة بن معبد وطلحة بن عبد اللّه الذي ادعى النبوة بعد ذلك ، ثم أسلم وحسن إسلامه ، ومنهم معاذة بن عبد اللّه بن خلف .