الحلبي
324
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فودعوه ، فأرسل إليهم بلالا فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود ، ثم قال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هل بقي منكم أحد ؟ قالوا : غلام خلفناه على رحالنا وهو أحدثنا سنا ، قال : فأرسلوه إلينا ، فأرسلوه فأقبل الغلام حتى أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقال : يا رسول اللّه أنا من الرهط الذين أتوك آنفا فقضيت حوائجهم ، فاقض حاجتي ؟ قال : تسأل اللّه عز وجل أن يغفر لي ويرحمني ، ويجعل غناي في قلبي ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه ، ثم أمر له صلى اللّه عليه وسلم بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه . ثم إنهم بعد ذلك وافوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمنى في الموسم إلا ذلك الغلام ، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما فعل الغلام الذي أتاني معكم ؟ قالوا : يا رسول اللّه ، ما رأينا مثله قط ، ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه اللّه ، لولا أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : الحمد للّه إني لأرجو أن يموت جميعا ، فقال رجل منهم ، أوليس يموت الرجل جميعا يا رسول اللّه ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : تشعب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا ، فلعل الأجل يدركه في بعض تلك الأودية فلا يبالي اللّه عز وجل في أيها هلك . ولما توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام قام ذلك الغلام في قومه فذكرهم اللّه والإسلام ، فلم يرجع منهم أحد ، وجعل أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه يذكر ذلك الغلام ويسأل عنه ، ولما بلغه ما قام به كتب إلى زياد بن الوليد أي وكان واليا على حضرموت يوصيه به خيرا . ومنها وفد بني ثعلبة . وفد على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مرجعه من الجعرانة أربعة نفر من بني ثعلبة : أي مقرين بالإسلام ، فإذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد خرج من بيته ورأسه يقطر ماء . قال بعضهم : فرمى ببصره إلينا فأسرعنا إليه وبلال يقيم الصلاة ، فسلمنا عليه وقلنا يا رسول اللّه إنا رسل من خلفنا من قومنا ، ونحن مقرون بالإسلام وقد قيل لنا إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : لا إسلام لمن لا هجرة له ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : حيثما كنتم واتقيتم اللّه فلا يضركم ، أي ثم صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بنا الظهر ثم انصرف إلى بيته فلم يلبث أن خرج إلينا فدعا بنا ، فقال : كيف بلادكم ؟ فقلنا مخصبون ، فقال : الحمد للّه ، فأقمنا أياما وضيافته صلى اللّه عليه وسلم تجري علينا ، ثم لما جاءوا يودعونه صلى اللّه عليه وسلم قال لبلال أجزهم ، فأعط كل واحد منهم خمس أواق فضة أي والأوقية أربعون درهما . ومنها وفد بني سعد هذيم من قضاعة . عن النعمان رضي اللّه تعالى عنه قال : قدمت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وافدا في نفر من قومي وقد أوطأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم البلاد : أي جعلها موطأة قهرا وغلبة ، وأزاح العرب : أي استولى عليها والناس صنفان إما داخل في الإسلام راغب فيه ، وإما خائف السيف ، فنزلنا ناحية من المدينة ، ثم