الحلبي

32

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وبين القوم صالحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد اللّه أن لا نغدر بهم . وبهذا استدل أئمتنا على أنه يجوز شرط ردّ من جاءنا منهم مسلما إليهم ولا نرده إليهم إلا إذا كان حرا ذكرا غير صبيّ ومجنون وطلبته عشيرته . وفي لفظ آخر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لسهيل : إنا لم نفضّ الكتاب بعد ، فقال : بلى لقد لجت القضية بيني وبينك ، أي تمّ العقد فرده . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم فأجره لي ؛ فقال : ما أنا مجير ذلك لك ، قال : بلى فافعل ، قال : ما أنا بفاعل ، فقال مكرز وحويطب : قد أجرناه لك لا نعذبه . أي وهذا وما تقدم يخالف قول ابن حجر الهيتمي رحمه اللّه أن مجيء أبي جندل كان قبل عقد الهدنة معهم رواه البخاري . وعند ذلك قال حويطب لمكرز : ما رأيت قوما قط أشدّ حبا لمن دخل معهم من أصحاب محمد ، أما إني أقول لك : لا تأخذ من محمد نصفا أبدا بعد هذا اليوم حتى يدخلها عنوة ، فقال مكرز : وأنا أرى ذلك . وعند ذلك وثب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ومشى إلى جنب أبي جندل ، أي وأبوه سهيل بجنبه يدفعه ، وصار عمر رضي اللّه عنه يقول لأبي جندل : اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون ، وإنما دم أحدهم كدم كلب ، أي ومعك السيف ، يعرض له بقتل أبيه ، أي وفي رواية إن دم الكافر عند اللّه كدم الكلب ويدني قائم السيف منه ، أي وفي لفظ : وجعل يقول : يا أبا جندل إن الرجل يقتل أباه في اللّه ، واللّه لو أدركنا آباءنا لقتلناهم في اللّه ، فقال له أبو جندل : ما لك لا تقتله أنت ، فقال عمر : نهانا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قتله وقتل غيره ، فقال أبو جندل رضي اللّه عنه ما أنت أحق بطاعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مني ، فقال عمر رضي اللّه عنه : وددت أن يأخذ السيف فيضرب أباه فضنّ الرجل بأبيه . وفيه كيف يظن عمر حينئذ جواز قتله لأبيه حتى يعرض له به ، إلا أن يقال ظن ذلك لكونه يريد أن يفتنه عن دينه ويرجع إلى الكفر وإن كان صلى اللّه عليه وسلم قال له : يا أبا جندل اصبر واحتسب . ورجع أبو جندل إلى مكة في جوار مكرز بن حفص أي وحويطب ، فأدخلاه مكانا وكف عنه أبوه . وأبو جندل اسمه العاص ، وهو أخو عبد اللّه بن سهيل بن عمرو ، وإسلام عبد اللّه سابق على إسلام أبي جندل ، لأن عبد اللّه شهد بدرا ، أي فإنه خرج مع المشركين لبدر ، ثم انحاز من المشركين إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وشهد معه بدرا والمشاهد كلها وأبو جندل رضي اللّه عنه أول مشاهده الفتح .