الحلبي

310

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وكان عمر رضي اللّه تعالى عنه يقول : ما رأيت أحدا أحسن مسألة ولا أوجز من ضمام بن ثعلبة . أي وفي لفظ عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : فما سمعنا بوافد وقد كان أفضل من ضمام . ولما رجع ضمام رضي اللّه تعالى عنه إلى قومه قال لهم : إن اللّه تعالى قد بعث رسولا ، وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه . قال : وفي رواية أن أول شيء تكلم به أن سب اللات والعزى ، فقال له قومه : مه يا ضمام ، اتق البرص ، اتق الجذام ، اتق الجنون ، فقال لهم : ويلكم ، واللّه إنهما لا يضران ولا ينفعان ، إن اللّه قد بعث رسولا إلى آخر ما تقدم ، وإني أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه ، فلم يبق من القوم رجل ولا امرأة إلا وأسلم . ومنها وفد عبد القيس وفيهم الجارود ، وكان نصرانيا : أي قد قرأ الكتب فقال أبياتا مخاطبا بها النبي صلى اللّه عليه وسلم ، منها : يا نبي الهدى أتاك رجالا * قطعت فدفدا وآلا فآلا تتقي وقع شر يوم عبوس * أوجل القلب ذكره ثم هالا الفدفد : المفازة ، والآل : ما يرفع الشخوص في أول النهار وفي آخره ، وقيل السراب . وقيل وكانوا ستة عشر ، فعرض عليهم صلى اللّه عليه وسلم الإسلام ، فقال : يا محمد إني كنت على دين وإني تارك ديني لدينك فتضمن لي ذنبي ؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : نعم أنا ضامن لك أن قد هداك إلى ما هو خير لك منه ، فأسلم وأسلم أصحابه ، ثم سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يحملهم ، فقال : واللّه ما عندي ما أحملكم عليه ، فقال : يا رسول اللّه يحال بيننا وبين بلادنا ضوالّ من ضوال المسلمين أي من الإبل والبقر مما يحمي نفسه أفنتبلغ عليها : أي نركبها إلى بلادنا . قال : لا ، إياك وإياها ، فإنما تلك حرق النار أي لهبها كذا في الأصل . وفي السيرة الهشامية أن الجارود إنما وفد مع حليف له يقال له سلمة بن عياض الأزدي وأن الجارود قال لسلمة : إن خارجا خرج بتهامة يزعم أنه نبي ، فهل لك أن تخرج إليه ، فإن رأينا خيرا دخلنا فيه ، وأنا أرجو أن يكون هو النبي الذي بشر به عيسى ابن مريم ، لكن يضمر كل واحد منا له ثلاث مسائل يسأله عنها لا يخبر بها صاحبه ، فلعمري إنه إن أخبرنا بها إنه لنبي يوحى إليه ، فلما قدما عليه صلى اللّه عليه وسلم قال له الجارود : بم بعثك به ربك يا محمد ؟ قال : بشهادة أن لا إله إلا اللّه وأني عبد اللّه ورسوله ، والبراءة من كل ند أو دين يعبد من دون اللّه ، وبإقام الصلاة لوقتها ، وإيتاء الزكاة لحقها ، وصوم رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا بغير إلحاد مَنْ