الحلبي
305
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
يهدمها إلا بعد ثلاث سنين من مقدمهم له ، فأبى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك ، فلا زالوا يسألونه سنة وهو يأبى عليهم حتى سألوه شهرا واحدا بعد قدومهم وأرادوا بذلك ليدخل الإسلام في قومهم ولا يرتاع سفهاؤهم ونساؤهم بهدمها ، فأبى عليهم ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . أي وعند خروجهم قال لهم سيدهم كنانة : أنا أعلمكم بثقيف ، اكتموا إسلامكم وخوّفوهم الحرب والقتال ، وأخبروهم أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم سألنا أمورا عظيمة ما أبيناها عليه ، سألنا أن نهدم الطاغية ، وأن نترك الزنا والربا وشرب الخمر ، فلما جاءتهم ثقيف وسألوهم قالوا : جئنا رجلا فظا غليظا قد ظهر بالسيف ودان له الناس ، فعرض علينا أمورا شدادا وذكروا ما تقدم ، قالوا : واللّه لا نطيعه ولا نقبل هذا أبدا ، فقالوا لهم : أصلحوا السلاح ، وتهيئوا للقتال ، ورموا حصنكم ، فمكثت ثقيف كذلك يومين أو ثلاثة ، ثم ألقى اللّه الرعب في قلوبهم وقالوا : واللّه ما لنا طاقة ، فارجعوا إليه وأعطوه ما سأل ، فعند ذلك قالوا لهم : قد قاضيناه وأسلمنا ، فقالوا لهم : لم كتمتمونا ؟ قالوا أردنا أن ينزع اللّه من قلوبكم نخوة الشيطان ، فأسلموا ومكثوا أياما ، فقدم عليهم رسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة رضي اللّه تعالى عنهما لهدم الطاغية . وفي رواية : لما فرغوا من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين بعث صلى اللّه عليه وسلم معهم أبا سفيان والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية ، فخرجا مع القوم ، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة رضي اللّه تعالى عنه أن يقدم أبا سفيان ، فأبى ذلك أبو سفيان عليه وقال : ادخل أنت على قومك ، فلما دخل المغيرة علاها ليضربها بالمعول : أي الفأس العظيمة التي يقطع بها الصخر ، وقام قومه دونه خشية أن يرمي كما رمى عروة ، وخرج نساء ثقيف حسرا . أي مكشوفات الرؤوس حتى العواتق من الحجال يبكين على الطاغية . قال : وفي رواية يظنون أنه لا يمكن هدمها لأنها تمنع من ذلك ، وأراد المغيرة رضي اللّه تعالى عنه أن يسخر بثقيف ، فقال لأصحابه : لأضحكنكم من ثقيف ، فألقى نفسه لما علا على الطاغية ليهدمها . وفي لفظ : أخذ يرتكض فصاحوا صيحة واحدة ، فقالوا : أبعد اللّه المغيرة قتلته الربة ، وقالوا : واللّه لا يستطيع هدمها . وفي رواية لما أخذ المعول وضرب به اللات ضربة صاح وخرّ لوجهه ، فارتجّ الطائف بالصياح سرورا ، وإن اللات قد صرعت المغيرة ، وأقبلوا يقولون كيف رأيت يا مغيرة ؟ دونكها إن استطعت ، ألم تعلم أنها تهلك من عاداها ؟ فقام المغيرة يضحك منهم ويقول لهم : يا خبثاء ، واللّه ما قصدت إلا الهزء بكم . وفي رواية : فوثب وقال لهم : قبحكم اللّه ، إنما هي لكاع ، حجارة ومدر ،