الحلبي

290

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

سرية خالد بن الوليد رضي اللّه تعالى عنه إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل ، وكان نصرانيا بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد في أربعمائة وعشرين فارسا في رجب سنة تسع إلى أكيدر بدومة الجندل وقال له : إنك ستجده يصيد البقر ، فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين ، وكانت ليلة مقمرة صافية وهو على سطح له ومعه امرأته ، فجاءت البقر تحك بقرونها باب الحصن ، فقالت له امرأته : هل رأيت مثل هذا قط ؟ قال : لا واللّه ، قالت : فمن يترك هذه ؟ قال : لا أحد ، فنزل فأمر بفرسه فأسرج ، وركب معه نفر من أهله فيهم أخ له يقال له حسان ، فتلقتهم خيل خالد فاستأسر أكيدر ، وقاتل أخوة حتى قتل ، وأجار خالد أكيدر من القتل حتى يأتي به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أن يفتح له دومة الجندل ، وكان على أكيدر قباء من ديباج مخوصة : أي فيها خوص منسوجة بالذهب مثل خوص النخل ، فاستلبه خالد إياها ، وأرسلها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فتعجبت الصحابة منها . فقال صلى اللّه عليه وسلم : « لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا » أي وقد تقدم . وصالح على أهل دومة الجندل بألفي بعير وثمانمائة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح . ثم خرج خالد بأكيدر وأخيه مصاد قافلا إلى المدينة ، فقدم بالأكيدر على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فصالحه على الجزية ، وحقن دمه ودم أخيه ، وخلى سبيلهما ، وكتب له كتابا فيه أمانهم وختمه يومئذ بظفره : أي ومن جملة الكتاب : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من محمد رسول اللّه لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام ، وخلع الأنداد والأصنام مع خالد بن الوليد سيف اللّه في دومة الجندل وأكنافها » إلى آخره ، وهذا كما لا يخفى يدل على أن أكيدر أسلم ، أي وهو الموافق لقول أبي نعيم وابن منده بإسلامه ، وأنه معدود من الصحابة وأهدى إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم حلة ، فوهبها صلى اللّه عليه وسلم لعمر بن الخطاب . وذكر ابن الأثير : أي في أسد الغابة أن القول بإسلامه غلط فاحش ، فإنه لم يسلم بلا خلاف بين أهل السير ، أي وحينئذ يكون قوله في الكتاب حين أجاب إلى الإسلام أي انقاد إليه . ويبعده قوله : وخلع الأنداد والأصنام فليتأمل ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم لما صالحه عاد إلى حصنه وبقي فيه على نصرانيته . ثم إن خالدا رضي اللّه تعالى عنه حاصره في زمن أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنهما فقتله لنقضه العهد . قال ابن الأثير : وذكر البلاذري أن أكيدر لما قدم على النبي صلى اللّه عليه وسلم أسلم ، ثم بعد موته صلى اللّه عليه وسلم ارتد ، ثم قتله خالد : أي بعد أن عاد من العراق إلى الشام .