الحلبي

282

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

ذلك قدم المدينة ، وأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك . فعند ذلك بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم في خمسين فارسا من العرب ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري ، فكان يسير الليل ويكمن النهار ، فهجم عليهم ، وأخذ منهم أحد عشر رجلا وإحدى وعشرين امرأة . وفي لفظ : إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا فجاء بهم إلى المدينة ، فأمر بهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فحبسوا في دار رملة بنت الحارث ، فجاء في أثرهم جماعة من رؤسائهم ، منهم عطارد بن حاجب ، والزبرقان بن بدر ، والأقرع بن حابس ، وقيس بن الحارث ، ونعيم بن سعد ، وعمرو بن الأهتم ، ورياح بكسر الراء والمثناة تحت ابن الحارث ، فلما رأوهم بكى إليهم النساء والذراري ، فجاؤوا إلى باب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أي بعد أن دخلوا المسجد ووجدوا بلالا يؤذن بالظهر والناس ينتظرون خروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فاستبطئوه فجاؤوا من وراء الحجرات ، فنادوا : أي بصوت جاف : اخرج إلينا نفاخرك ونشاعرك فإن مدحنا زين وذمنا شين ، يا محمد اخرج إلينا ، فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي وقد تأذى من صياحهم ، وأقام بلال رضي اللّه تعالى عنه الصلاة ، وتعلقوا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يكلمونه ، فوقف معهم : أي قالوا له : نحن ناس من تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك ، فقال لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم : ما بالشعر بعثنا ، ولا بالفخار أمرنا ، ثم مضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فصلى الظهر ثم جلس في صحن المسجد ، أي بعد أن قالوا له ما تقدم ، ومنه : إن مدحنا لزين ، وإن شتمنا لشين ، نحن أكرم العرب ، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كذبتم ، بل مدح اللّه عز وجل الزين وشتمه الشين ، وأكرم منكم يوسف بن يعقوب عليهما الصلاة والسلام ، ثم قالوا له : فائذن لخطيبنا وشاعرنا ، قال : أذنت فليقم . وفي لفظ : إني لم أبعث بالشعر ، ولم أومر بالفخر ، ولكن هاتوا ، فقدموا عطارد بن حاجب . وفي لفظ قال الأقرع بن حابس لشاب منهم : قم يا فلان فاذكر فضلك وفضل قومك ، فتكلم وخطب ، أي فقال : الحمد للّه الذي له علينا الفضل وهو أهله ، الذي جعلنا ملوكا ، ووهب لنا أموالا عظاما ، نفعل فيها المعروف . وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثرهم عددا ، فمن مثلنا في الناس ؟ ألسنا رؤوس الناس وأولي فضلهم ؟ فمن فاخر فليعدد مثل ما عددنا ، وإنا لو شئنا لأكثرنا ، وإنما أقول قولي هذا لأن يأتوا بمثل قولنا أو أمرا أفضل من أمرنا ، ثم جلس . أي وفي رواية أنه قال : الحمد للّه الذي جعلنا خير خلقه ، وأعطانا أموالا نفعل فيها ما نشاء ، فنحن خير أهل الأرض ، وأكثرهم عددا ، وأكثرهم سلاحا ، فمن أنكر علينا قولنا فليأت بقول هو أحسن من قولنا أو بفعال هي أفضل من فعالنا . فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس أن يجيبه ، أي قال له : قم فأجب