الحلبي
232
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ممن انضم إليه ، فعرفته بنعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لأني هبته وكنت لا أهاب الرجال ، فقلت : صدق اللّه ورسوله ، أي وكان وقت العصر ، فخشيت أن يكون بيني وبينه محاولة يشغلني عن الصلاة فصليت وأنا أمشي نحوه أومأ برأسي . فلما انتهيت إليه ، قال لي : من الرجل ؟ فقلت : رجل من خزاعة ، سمعت بجمعك لمحمد فجئت لأكون معك ، قال : أجل ، إني لأجمع له ، فمشيت معه ساعة وحدثته فاستحلى حديثي . أي وكان فيما حدثته به أن قلت له : عجبت لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث . فارق الآباء ، وسفه أحلامهم . فقال لي : إنه لم يلق أحدا يشبهني ولا يحسن قتاله . فلما انتهى إلى خبائه وتفرق عنه أصحابه قال لي : يا أخا خزاعة هلم ، فدنوت منه . فقال اجلس فجلست معه ، حتى إذا هدأ الناس وناموا اغتررته فقتلته وأخذت رأسه ثم دخلت غارا في الجبل وصيرت العنكبوت : أي نسجت عليّ ، وجاء الطلب فلم يجدوا شيئا . فانصرفوا راجعين ، ثم خرجت . فكنت أسير الليل وأتوارى النهار حتى قدمت المدينة . فوجدت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المسجد ، فلما رآني قال : قد أفلح الوجه . قلت : أفلح وجهك يا رسول اللّه . فوضعت رأسه بين يديه وأخبرته خبري ، فدفع لي عصا وقال : تحضر بهذه في الجنة : أي توكأ عليها فإن المتخصرين في الجنة قليل ، فكانت تلك العصا عنده . فلما حضرته الوفاة أوصى أهله أن يدخلوها في كفنه ويجعلوها بين جلده وكفنه ففعلوا . أي وفي القاموس ذو المخصرة : أي كمكنسة بكسر الميم عبد اللّه بن أنيس . وهذه القصة وقصة كعب بن الأشرف تردّ على الزهري قوله لم يحمل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأس إلى المدينة قط . وحمل إلى أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه رأس فكره ذلك . وأول من حملت الرؤوس عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما . وفيه أنه لما قتل الحسين وجماعة من أهل بيته بعث ابن زياد قبحه اللّه برءوسهم إلى يزيد بن معاوية . وابن الزبير رضي اللّه عنهما لم يبايع بالخلافة إلا بعد موت يزيد . ومضى مدة خلافة ابنه معاوية رضي اللّه عنه الذي خلع نفسه وهي أربعون يوما . ولعل إرسال رأس الحسين ومن معه كان قبل رأس عبد اللّه بن أبي الحمق ، فلا ينافي قول ابن الجوزي أول رأس حمل في الإسلام - أي من المسلمين - رأس عبد اللّه بن أبي الحمق . وذلك أنه لدغ فمات ، فخشيت الرسل أن تتهم فقطعوا رأسه فحملوه . ثم رأيت ابن الجوزي قال : قال ابن حبيب : نصب معاوية رضي اللّه عنه رأس عمرو بن أبي الحمق . ونصب يزيد بن معاوية رأس الحسين رضي اللّه عنه . وقول الزهري إلى المدينة لا يخالف ما في النور ما تقدم في غزوة بدر : كم من رأس حمل