الحلبي
230
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
عتيك : ثم عدت وقلت : ما هذا الصوت يا أبا رافع ؟ قال لأمك الويل ، إن رجلا في البيت ضربني بالسيف فعمدت إليه فضربته أخرى فلم تغن شيئا فتواريت ثم جئته كهيئة المغيث وغيرت صوتي ، وإذا هو مستلق على ظهره فوضعت السيف في بطنه وتحاملت عليه حتى سمعت صوت العظم ، ثم جئت إلى الدرجة فوقعت ، فانكسرت رجلي فعصبتها بعمامتي فانطلقت إلى أصحابي ، وقلت النجاة قد قتل اللّه أبا رافع ، فانتهيت إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فحدثته . فقال : ابسط رجلك فمسحها فكأني لم أشتكها قط ، وعادت كأحسن ما كانت انتهى ، أي وهذا ما في البخاري . وفيه في رواية أخرى أن ابن عتيك قال : لما وضعت السيف في بطنه وتحاملت عليه حتى سمعت صوت العظم خرجت دهشا حتى أتيت السلم : أي الذي صعدت فيه أريد أن أنزل فأسقطت منه فانخلعت رجلي ، فعصبتها ، فأتيت أصحابي أحجل . فقلت : انطلقوا فبشروا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية ، فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية ، فقال أنعى أبا رافع ، فقمت أمشي ما بي قلبة ، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فبشرته . وفي سيرة الحافظ الدمياطي أنهم مكثوا في ذلك المحل الذي استخفوا فيه يومين حتى سكن عنهم الطلب . وينبغي النظر إلى وجه الجمع بين ما ذكر . سرية زيد بن حارثة رضي اللّه عنهما إلى القردة بفتح القاف والراء ، وقيل بالفاء مفتوحة ، وقيل بكسرها وسكون الراء ، وقدمه في الأصل على الأول : اسم ماء . وسببها أن قريشا لما كانت وقعة بدر خافوا الطريق التي كانوا يسلكونها إلى الشام من على بدر ، فسلكوا طريقا أخرى من جهة العراق . فخرج عير لهم فيه أموال كثيرة جدا من تلك الطريق يريدون الشام ، واستأجروا رجلا يدلهم على الطريق ، وكان ذلك الرجل ممن هرب من أسارى بدر . وفي ذلك العير من أشراف قريش : أبو سفيان ، وصفوان بن أمية ، وعبد اللّه بن أبي ربيعة ، وحويطب بن عبد العزى . فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زيد بن حارثة في مائة راكب ، وهي أول سرية لزيد بن حارثة خرج فيها أميرا ، فصادف تلك العير على ذلك الماء فأصاب العير ، وأفلت القوم وأسروا دليلهم . وقدم زيد رضي اللّه عنه بتلك العير على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فخمسها فبلغ الخمس ما قيمته عشرون ألف درهم ، وأتي بذلك الأسير إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقيل له إن تسلم تترك : أي من القتل . فأسلم فتركه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحسن إسلامه بعد ذلك .