الحلبي
219
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ورويتها فارووها عني ، فقال له إسماعيل بن صالح : نقول : حدثنا مالك ؟ قال نعم . وفي لفظ أن عبد اللّه رضي اللّه عنه لما قرأ الكتاب قال سمعا وطاعة ، أي بعد أن استرجع ثم أعلم أصحابه ، وقال لهم من كان يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ، ومن كره ذلك فليرجع ، فأما أنا فماض إلى أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فمضوا ولم يتخلف منهم أحد حتى إذا كانوا ببحران بفتح الموحدة وبضمها وسكون الحاء المهملة : موضع أضل سعد بن وقاص وعيينة بن غزوان بعيرهما فتخلفا في طلبه ومضى عبد اللّه ومن عداهما معه حتى نزل بنخلة فمرت عير لقريش : أي تحمل زبيبا وأدما : أي جلودا من الطائف وأمتعة للتجارة ، في تلك العير عمرو بن الحضرمي ، وعثمان بن المغيرة ، وأخوه نوفل والحكم بن كيسان ، ونزلوا قريبا من عبد اللّه وأصحابه وتخوّفوا منهم ، فأشرف عليهم عكاشة بن محصن وكان قد حلق رأسه : أي وتراءى لهم ليظنوا أنهم عمارا فيطمئنوا ، أي وذلك بإرشاد عبد اللّه بن جحش رضي اللّه تعالى عنه ، فإنه قال لهم : إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم ، فحلقوا رأس عكاشة ثم أشرف عليهم ، فلما رأوا رأسه محلوقا قالوا عمّار ، أي هؤلاء قوم معتمرون لا بأس عليكم منهم ، وكان ذلك آخر يوم من شهر رجب ، أي وقيل أول يوم منه . ويدل للأول ما جاء أن عبد اللّه تشاور مع أصحابه فيهم ، فقال بعضهم لبعض : إن تركتموهم في هذه الليلة دخلوا الحرم فقد تمنعوا منكم به ، وإن قتلتموهم في هذا اليوم تقتلوهم في الشهر الحرام ، أي وكان ذلك قبل أن يحل القتال في الشهر الحرام ، فإن تحريم القتال في الأشهر الحرم كان معمولا به من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام ، جعل اللّه ذلك مصلحة لأهل مكة ، فإن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما دعا لذريته بمكة أن يجعل اللّه أفئدة من الناس تهوي إليهم لمصلحتهم ومعاشهم ، جعل الأشهر الحرم أربعة : ثلاثة سردا وواحدا فردا وهو رجب ، أما الثلاثة فليأمن الحجاج فيها واردين لمكة وصادرين عنها ، شهرا قبل شهر الحج ، وشهرا آخر بعده قدر ما يصل الراكب من أقصى بلاد العرب ثم يرجع ، وأما رجب فكان للعمار يأمنون فيه مقبلين ومدبرين وراجعين نصف الشهر للإقبال ونصفه الآخر للإياب ، لأن العمرة لا تكون من أقاصي بلاد العرب كالحج ، وأقصى منازل بلاد المعتمرين خمسة عشر يوما ، ذكره السهيلي . ولم يزل تحريم القتال في تلك الأشهر الحرم إلى صدر الإسلام ، وذلك قبل نزول براءة ، فإن براءة كان فيها نبذ العهد العام ، وهو أن لا يصدّ أحد عن البيت جاءه ، ولا يخاف أحد في الأشهر الحرم ، وأن لا يحج مشرك ، وإباحة القتال في الأشهر الحرم ، أي مع بقاء حرمتها ، فإنها لم تنسخ ، قال تعالى : مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ