الحلبي
206
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
كملت خمسون ليلة من حين نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن كلامنا ، فلما كان صلاة الفجر صبح تلك الليلة سمعت صوتا فوق جبل سلع يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك ، أبشر ، فخررت ساجدا . وعرفت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد آذن ، أي أعلم بتوبة اللّه علينا ، فلما جاءني الرجل الذي سمعت صوته يبشرني أي وهو حمزة بن عمرو الأوسي نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه ، واللّه لا أملك غيرهما يومئذ : واستعرت أي من أبي قتادة رضي اللّه عنه ثوبين فلبستهما ، وانطلقت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا فوجا : أي جماعة جماعة يهنئوني بالتوبة ، يقولون : ليهنئك توبة اللّه عليك حتى دخلت المسجد ، فإذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالس حوله الناس ، فقام إليّ طلحة بن عبيد اللّه يهرول حتى صافحني وهناني ، واللّه ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره ، ولا أنساها لطلحة : أي لأنه صلى اللّه عليه وسلم كان آخى بينهما حين قدم المدينة ، قال كعب : فلما سلمت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور ، وكان صلى اللّه عليه وسلم إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر ، فلما جلست بين يديه صلى اللّه عليه وسلم قال : أبشر بخير يوم يمر عليك منذ ولدتك أمك ، قلت : أمن عندك يا رسول اللّه أم عند اللّه عز وجل ؟ قال : لا بل من عند اللّه ، فقلت : يا رسول اللّه إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللّه وإلى رسوله قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ، أي وكان المبشر لهلال بن أمية أسعد بن أسد ، وكان المبشر لمرارة بن الربيع سلطان بن سلامة أو سلامة بن وقش . أي وفي البخاري عن كعب رضي اللّه عنه : « فأنزل اللّه توبتنا على نبيه صلى اللّه عليه وسلم حين بقي الثلث الأخير من الليل ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند أم سلمة ، وكانت أم سلمة رضي اللّه عنها محسنة في شأني معينة في أمري ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا أم سلمة تيب على كعب ، قالت : أفلا أرسل إليه فأبشره ، قال : إذن يحطمكم الناس فيمنعوكم النوم سائر الليل ، حتى إذا صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صلاة الفجر أعلم بتوبة اللّه علينا وأنزل اللّه تعالى : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ [ التّوبة : الآية 117 ] إلى قوله : وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [ التّوبة : الآية 119 ] وقال في حق من اعتذر له صلى اللّه عليه وسلم : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ [ التّوبة : الآية 95 ] إلى قوله : فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [ التّوبة : الآية 96 ] . واستشكل نزول الوحي بالقرآن في بيت أم سلمة بقوله صلى اللّه عليه وسلم في حق عائشة رضي اللّه عنها : « ما نزل عليّ الوحي في فراش امرأة غيرها » وأجاب بعضهم بأنه يجوز أن يكون ما تقدم في حق عائشة كان قبل هذه القصة ، أو أن الذي خصت به عائشة رضي اللّه تعالى عنها نزول الوحي في خصوص الفراش لا في البيت . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ