الحلبي
203
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وحين نزل صلى اللّه عليه وسلم أتاه خبر مسجد الضرار ، فأنزل اللّه تعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً [ التّوبة : الآية 107 ] الآية : أي لإضرار أهل قباء ، أي فإن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء حسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف وقالوا نصلي في مربط حمار ، لا ، لعمر اللّه أي لأنه كان لامرأة كانت تربط فيه حمارها ، ولكننا نبني مسجدا ونرسل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي فيه ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام ، فيثبت لنا الفضل والزيادة على إخواننا وكان المسلمون في تلك الناحية كلهم يصلي في مسجد قباء جماعة ، فلما بني هذا المسجد فصرف عن مسجد قباء جماعة وصلوا بذلك المسجد ، فكان به تفريق للمؤمنين ، فكانوا يجتمعون فيه ويعيبون النبي صلى اللّه عليه وسلم ويستهزءون به ، أي ويقال إن أبا عامر الراهب الذي سماه النبي صلى اللّه عليه وسلم فاسقا هو الآمر لهم ببنائه ، فقال لهم : ابنوا لي مسجدا واستمدوا ما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم ، فأخرج محمدا وأصحابه من المدينة ، وإنهم لما فرغوا من بنائهم أرسلوا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يأتيهم ويصلي فيه كما صلى في مسجد قباء ، فهمّ أن يأتيهم ، فأنزل اللّه تعالى الآية . وفي رواية أتوه صلى اللّه عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك ، فقالوا : يا رسول اللّه قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة ، والليلة الشاتية ، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة ، قال : إني علي جناح سفر وحال شغل ، ولو قدمنا إن شاء اللّه تعالى لأتيناكم فصلينا لكم فيه ، فلما قفل من السفر وسألوه إتيان المسجد جاءه صلى اللّه عليه وسلم الخبر من السماء فأمر جماعة منهم وحشي قاتل حمزة رضي اللّه تعالى عنهم وقال لهم : انطلقوا إلى المسجد الظالم أهله فاحرقوه واهدموه على أصحابه ، ففعل به ذلك ، قال : وكان ذلك بين المغرب والعشاء ، ووصل الهدم إلى الأرض ، وأعطاه صلى اللّه عليه وسلم لثابت بن أرقم رضي اللّه تعالى عنه يجعله بيتا ، فلم يولد في ذلك البيت مولود قط ، وحفر فيه بقعة فخرج منها الدخان ، ولعل هذا أي جعله بيتا كان بعد أن أمر صلى اللّه عليه وسلم أن يتخذه محلا لإلقاء الكناسة والجيفة . وفي الكشاف أن مجمع بن حارثة كان إمامهم في مسجد الضرار ، فكلم بنو عمرو بن عوف أصحاب مسجد قباء عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه في خلافته أن يأذن لمجمع بن حارثة أن يؤمهم في مسجدهم ، فقال : لا ولا نعمة ، أليس بإمام مسجد الضرار ؟ فقال : يا أمير المؤمنين لا تعجل عليّ فو اللّه لقد صليت بهم واللّه يعلم إني لا أعلم ما أضمروا فيه ولو علمت ما صليت معهم فيه ، كنت غلاما قارئا للقرآن ، وكانوا شيوخا لا يقرءون من القرآن شيئا فعذره وصدقه ، وأمره بالصلاة بهم . ولما أشرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على المدينة قال : هذه طابة أسكننيها ربي ، تنفي خبث أهلها كما ينفي الكبر خبث الحديد .