الحلبي

191

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده » وكان كما قال صلى اللّه عليه وسلم إنه يموت وحده . فقد مات رضي اللّه عنه وحده بالربذة لما أخرجه عثمان رضي اللّه عنه إليها . أي فإنه بعد موت أبي بكر رضي اللّه عنه خرج من المدينة إلى الشام . فلما ولى عثمان رضي اللّه عنه شكاه معاوية رضي اللّه عنه إليه ، فإنه كان يغلظ على معاوية في بعض أمور تقع منه ، فاستدعاه عثمان رضي اللّه عنه من الشام ثم أسكنه الربذة ، ولم يكن معه إلا امرأته وغلامه ، فوصاهما عند موته أن غسلاني وكفناني ثم اجعلاني على قارعة الطريق ، فأول من يمرّ بكم قولا له هذا أبو ذر صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأعينونا على دفنه ، فلما مات رضي اللّه عنه فعلا به ذلك . وأقبل عبد اللّه بن مسعود في رهط من أهل العراق فوجدوا الجنازة على ظهر الطريق ، قد كادت الإبل تطؤها فقام إليهم الغلام وقال : هذا أبو ذر صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأعينونا على دفنه ، فاستهل عبد اللّه بن مسعود يبكي ويقول : صدق رسول اللّه ، تمشي وحدك وتموت وحدك ، وتبعث وحدك ثم نزل هو وأصحابه فواروه ، ثم حدثهم عبد اللّه بن مسعود خبره . أي وفي الحدائق عن أم ذر قالت : لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت ، فقال : ما يبكيك ؟ قلت : وما لي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض ولا بد لنا من معين على دفنك ، وليس معنا ثوب يسعك كفنا . فقال : لا تبكي وأبشري ، فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم : ليموتنّ رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية ، وإني أنا الذي أموت بالفلاة ، واللّه ما كذب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا كذبت . وفي رواية : ما كذبت ولا كذبت فانظري الطريق . فقالت : قد ذهب الحاج وتقطعت السبل . فقال : انظري ، فقالت : كنت أشتد إلى الكثيب فأقوم عليه ثم أرجع إليه فأمرضه ، فبينما أنا كذلك إذا أنا برجال على رواحلهم كأنهم الرخم فألحت بثوبي ، فأسرعوا إليّ ووضعوا السياط في نحورها يستقلون إليّ ، فقالوا ما لك يا أمة اللّه ؟ فقلت : امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه ، قالوا : ومن هو ؟ قلت أبو ذر . قالوا : صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قلت نعم ، فأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه فسلموا عليه فرحب بهم . وقال : أبشروا فإنكم عصابة من المؤمنين وحدثهم الحديث ، وقال : واللّه لو كان لي أو لها ما يسعني كفنا ما كفنت إلا فيه ، وإني أنشدكم اللّه والإسلام لا يكفنني منكم رجل كان أميرا ولا عريفا ولا بريدا أو نقيبا ، ولم يكن منهم أحد سلم من ذلك إلا فتى من الأنصار ، فقال : واللّه لم أصب مما ذكرت شيئا أن أكفنك في ردائي هذا وثوبين معي من غزل أمي ، فمات فكفنه الفتى الأنصاري ودفنه في النفر الذين معه . أقول : يحتاج إلى الجمع بين هذا وما تقدم . وقد يقال : لا ينافي ذلك ما تقدم