الحلبي
147
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وقيل كان على راحلته ، فحمد اللّه وأثنى عليه وقال : « أيها الناس إن اللّه تعالى قد حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ويوم خلق الشمس والقمر ، ووضع هذين الجبلين ، فهي حرام إلى يوم القيامة ، فلا يحل لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر يسفك فيها دما ولا يعضد فيها شجرة ، ولم تحل لأحد كان قبلي ، ولم تحل لأحد يكون بعدي ، ولم تحل لي إلا هذه الساعة » أي من صبيحة يوم الفتح إلى العصر غضبا على أهلها « ألا قد رجعت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد منكم الغائب ، فمن قال لكم إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد قاتل فيها فقولوا له : إن اللّه قد أحلها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يحلها لكم » . وقد جاء في صحيح مسلم : « لا يحل أن يحمل السلاح بمكة ، يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر القتل ، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين ، إن شاءوا فدم قاتله ، وإن شاءوا فعقله ، ثم ودى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك الرجل الذي قتلته خزاعة » وهو ابن الأقرع الهذلي من بني بكر فإنه دخل مكة وهو على شركه فعرفته خزاعة فأحاطوا به ، فطعنه منهم خراش بمشقص في بطنه حتى قتله ، فلامه صلى اللّه عليه وسلم وقال « لو كنت قاتلا مسلما بكافر لقتلت خراشا » أي والمشقص ما طال من النصال وعرض . قال ابن هشام : وبلغني أنه أول قتيل وداه النبي صلى اللّه عليه وسلم . وفيه أنه تقدم في خيبر أنه ودى قتيلا . وقال صلى اللّه عليه وسلم يوم الفتح : « لا نغزي مكة بعد اليوم إلى يوم القيامة » قال العلماء : أي على الكفر : أي لا يقاتلوا على أن يسلموا ، ونادى منادي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره » . ولما أسلمت هند رضي اللّه تعالى عنها عمدت إلى صنم كان في بيتها وجعلت تضربه بالقدوم وتقول : كنا منك في غرور . ثم بعث صلى اللّه عليه وسلم السرايا إلى كسر الأصنام التي حول مكة ، أي لأنهم كانوا اتخذوا مع الكعبة أصناما جعلوا لها بيوتا يعظمونها كتعظيم الكعبة ، وكانوا يهدون لها كما يهدون للكعبة ، ويطوفون بها كما يطوفون بالكعبة ، فكان في كل حي صنم ، من ذلك كما تقدم : العزى ، وسواع ، ومناة ، وسيأتي الكلام على ذلك في السرايا إن شاء اللّه تعالى . أي وفي هذا العام الذي هو عام الفتح كانت غزوة أوطاس ، وأوطاس : هي هوازن . وحلل صلى اللّه عليه وسلم المتعة ثم بعد ثلاثة أيام حرمها . ففي صحيح مسلم عن بعض الصحابة « لما أذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المتعة خرجت أنا ورجل إلى امرأة من بني عامر كأنها بكرة غيطاء » وفي لفظ « مثل البكرة الغطنطية ، فعرضنا عليها أنفسنا . فقلنا لها : هل لك أن يستمتع منك أحدنا ؟ فقالت : ما تدفعان ؟ قلنا بردينا » وفي لفظ : « رداءينا ،