الحلبي

143

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

كون ذلك الإغراء منهم فيما مضى ، وإذا كان القطع والوصل للّه تساوى عند فاعل ذلك التقريب للأقارب والبعداء والإبعاد للأقارب والبعداء ، والذي تقريبه وإبعاده للّه لا لغيره يستوي عنده سبه والمبالغة في مدحه إذا أتاه ذلك من غيره ، ومن ثم لو كان انتقامه لهوى النفس الأمارة بالسوء لاستمرت قطيعه الرحم ودام إبعاده لها . كيف وقد قام للّه في أموره كلها ، فبسبب ذلك أرضى اللّه تباين منه صلى اللّه عليه وسلم لأعدائه ووفاء لأوليائه ، فعله صلى اللّه عليه وسلم كله جميل . ولا بدع في ذلك ، إذ ما يسيل مما في الإناء على ظاهره إلا ما كان في تلك الإناء ممن امتلأ قلبه خيرا كانت أفعاله كلها خيرا ومن امتلأ قلبه شرا كانت أفعاله كلها شرا . ثم جلس صلى اللّه عليه وسلم في المسجد ومفتاح الكعبة في يده في كمه ، فقام إليه علي كرم اللّه وجهه ، فقال : يا رسول اللّه اجمع لنا . وفي لفظ : اجمع لي الحجابة مع السقاية ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنما أعطيكم ما تبذلون فيه أموالكم للناس : أي وهو السقاية ، لا ما تأخذون فيه من الناس أموالهم ، وهي الحجابة لشرفكم وعلو مقامكم . وفي رواية : أن العباس رضي اللّه عنه تطاول يومئذ لأخذ المفتاح في رجال من بني هاشم أي منهم علي كرم اللّه وجهه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أين عثمان بن طلحة فدعى له ، فقال : هاك مفتاحك يا عثمان ، اليوم يوم برّ ووفاء » . وقيل نزلت هذه الآية : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ النّساء : الآية 58 ] في شأن عثمان بن طلحة رضي اللّه عنه ، ودفع المفتاح له : أي لما أخذه عليّ كرم اللّه وجهه ، وقال : يا رسول اللّه اجمع لنا الحجابة مع السقاية ، فقال صلى اللّه عليه وسلم لعلي : « أكرهت وآذيت » ، وأمره صلى اللّه عليه وسلم أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه ، فقد أنزل اللّه في شأنك : أي أنزل اللّه عليه ذلك في جوف الكعبة ، وقرأ عليه الآية ، ففعل عليّ كرم اللّه وجهه ذلك . وسياق هذه الرواية يدل على أن عليا كرم اللّه وجهه أخذ المفتاح على أن لا يرده لعثمان ، فلما نزلت الآية أمره صلى اللّه عليه وسلم أن يرد المفتاح لعثمان . والسقاية كما تقدم كانت أحواضا من أدم يوضع فيها الماء العذب لسقاية الحاج ، ويطرح فيها التمر والزبيب في بعض الأوقات . وفي كلام الأزرقي : كان لزمزم حوضان : حوض بينها وبين الركن يشرب منه ، وحوض من ورائه للوضوء ، أي ولعل هذا كان بعد الفتح . والسقاية قام بها العباس رضي اللّه عنه بعد موت أبيه عبد المطلب ، وقام بها بعده ولده عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما . وقد تكلم فيها محمد ابن الحنفية مع ابن عباس ، فقال له ابن عباس : ما لك ولها ؟ نحن أولى بها في الجاهلية والإسلام ، قام بها العباس بعد موت أبيه عبد المطلب ، وأعطاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للعباس يوم