الحلبي
120
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وأنت لو أبصرتنا بالخندمه * إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمة واستقبلتنا بالسيوف المسلمة * يقطعن كل ساعد وجمجمه ضربا فلا تسمع إلا غمغمه * لهم نهيت حولنا وهمهمه لا تنطقي في اللوم أدنى كلمه والغمغة : الصوت الذي لا يفهم . والنهيت بالمثناة تحت وفوق : الزحير . والهمهمة : صوت في الصدر . أي واستمر خالد رضي اللّه تعالى عنه يدفعهم إلى أن وصل الحزورة إلى باب المسجد أي وصعدت طائفة منهم الجبل فتبعهم المسلمون ، فرأى صلى اللّه عليه وسلم وهو على العقبة بارقة السيوف ، فقال : ما هذا وقد نهيت عن القتال ؟ فقيل له : لعل خالدا قوتل وبدىء بالقتال ، فلم يكن له بد من أن يقاتل من يقاتله ، وما كان يا رسول اللّه ليخالف أمرك ، فقتل من المشركين أربعة وعشرون من قريش ، وأربعة من هذيل . وفي رواية جعل صلى اللّه عليه وسلم الزبير رضي اللّه تعالى عنه على إحدى المجنبتين : أي وهما الكتيبتان ، تأخذ إحداهما اليمين والأخرى اليسار والقلب بينهما ، وخالدا على الأخرى ، وأبا عبيدة على الرجالة . وفي لفظ : على الحسر بضم الحاء المهملة وتشديد السين المهملة : أي الذين لا دروع لهم . قال في شرح مسلم : فهم رجالة لا دروع عليهم ، وقد أخذوا بطن الوادي ، ولعل ذلك كان قبل الدخول إلى مكة ، فلا ينافي ما سيأتي أنه صلى اللّه عليه وسلم أعطى الزبير رضي اللّه تعالى عنه راية ، وأمره أن يغرزها بالحجون ، لا يبرح حتى يأتيه في ذلك المحل وفي ذلك المحل بني مسجد يقال له مسجد الراية . وقد بوّشت قريش أبواشا : أي جمعوها من قبائل شتى ، فنادى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبا هريرة رضي اللّه تعالى عنه وقال له . اهتف : أي صح لي بالأنصار ، فهتف بهم ، فجاؤوا وطافوا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لهم : ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم ؟ ثم قال صلى اللّه عليه وسلم بيديه إحداهما على الأخرى : احصدوهم حصدا حتى توافوني بالصفا : أي ودخلوا من أعلى مكة . قال أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه : فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل منهم ما شاء وما أحد يوجه إلينا منهم شيئا . وفي لفظ : فما نشاء أن نقتل أحدا منهم إلا قتلناه : أي لا يقدر أن يدفع عن نفسه ، فجاء أبو سفيان رضي اللّه تعالى عنه فقال : يا رسول اللّه أبيحت خضراء قريش لا قريش : أي لا جماعة لقريش بعد اليوم ، لأن الجماعة المجتمعة يعبر عنها بالسواد الأعظم ، فيقال السواد الأعظم ، ويعبر عنها بالخضرة كما هنا ، فالمراد جماعة قريش ، وعند ذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : « من أغلق بابه فهو آمن » .