الحلبي
95
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وهن من شر غالب لمن غلب فجعل صلى اللّه عليه وسلم يقول : وهن شر غالب لمن غلب فإن أنشد بيتا كاملا غيره أي غالبا ، لما تقدم كبيت العباس بن مرداس ، أي فإنه صلى اللّه عليه وسلم قال يوما للعباس بن مرداس « أرأيت قولك » وفي لفظ أنت القائل : أصبح نهبي ونهب العبي * د بين الأقرع وعيينة فقيل له : إنما هو بين عيينة والأقرع ، فقال عليه الصلاة والسلام : إنما هو الأقرع وعيينة ، فقال أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه » وفي لفظ « أشهد أنك رسول اللّه ، ما أنت بشاعر ولا رواية ، ولا ينبغي لك » إنما قال بين عيينة والأقرع : أي أنه لا ينبغي لك أن تكون شاعرا كما قال اللّه ، ولا ينبغي لك أن تكون راويا للشعر : أي بأن تأتي به على وجهه ، أي لا يكون شأنك ذلك مباعدة عن الشعر ، وكون شأنه ذلك لا ينافي وجوده منه على وجهه في بعض الأحيان فليتأمل . وعن بعضهم : ما جمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيت شعر قط أي موزونا . وقد يقال : لا يخالف هذا ما تقدم عن المواهب ، لأنه يجوز أن يكون هذا المنقول عن عائشة . وعن المزني وعن بعضهم : كان أغلب أحواله كما قدمناه في المنقول عن عائشة ثم رأيته في الامتاع أشار إلى ذلك بقوله : وربما أنشد صلى اللّه عليه وسلم البيت المستقيم في النادر ، وقول المواهب : لا دليل على منع إنشاده متمثلا ، أي دائما وأبدا ، ويدل لذلك قول الزهري : إنه لم يقل بيتا موزونا متمثلا به إلا قوله : هذا الحمال إلى آخره ، وفيه ما علمت ولا يخفى أن الشعر عرف بأنه كلام عربي موزون عن قصد . قال البدر الدمياطي . وقولنا عن قصد يخرج ما كان وزنه اتفاقيا كآيات شريفة اتفق جريان الوزن فيها : أي من بحور الشعر الستة عشر ، وقد ذكرها الجلال السيوطي في نظمه للتخليص ، وذلك كما في قوله تعالى لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ آل عمران : الآية 92 ] وكقوله تعالى وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ [ سبإ : الآية 13 ] وقوله تعالى نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [ الصّف : الآية 13 ] وككلمات شريفة نبوية جاء الوزن فيها اتفاقيا غير مقصود ، كما في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : هل أنت إلا أصبع دميت * وفي سبيل اللّه ما لقيت أي بناء على تسليم أنه من قوله صلى اللّه عليه وسلم ، وإلا فقد قيل إنه من قول عبد اللّه بن رواحة : أي فإن ذلك مذكور في أبيات قالها في غزوة مؤتة وقد صدمت أصبعه فدميت ، وذكر بدل « في سبيل اللّه » في كتاب اللّه ، ولا مانع أن يكون ابن رواحة أدخل ذلك البيت في تلك الأبيات التي صنعها كما تقدم .