الحلبي
65
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
حتى أستيقظ ، فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله ، فقلت : يا رسول اللّه اشرب من هذا اللبن فشرب ، لأنه جرت العادة بإباحة مثل ذلك لابن السبيل إذا احتاج إلى ذلك ، فكان كل راع مأذونا له في ذلك أي كما تقدم ، فلا ينافي ما جاء « لا يحلبنّ أحد ماشية أحد إلا بإذنه » أو أن هذا الحديث محمول على فعل ذلك اختلاسا من غير معرفة الراعي . وأما قول بعضهم « إنما استجاز شربه لأنه مال حربي ، ففيه نظر ، لأن الغنائم : أي أموال الحربيين لم تكن أبيحت له حينئذ ؛ ثم قال : يعني النبي صلى اللّه عليه وسلم : ألم يأن للرحيل ؟ قلت بلى ، فارتحلنا بعد ما زالت الشمس » انتهى . أي وفي رواية « أن أبا بكر ، قال : قد آن الرحيل يا رسول اللّه » أي دخل وقته ، قال الحافظ ابن حجر : يجمع بينهما بأن يكون النبي صلى اللّه عليه وسلم بدأ فسأل فقال له أبو بكر : بلى ، ثم أعاد عليه بقوله قد آن الرحيل « واجتازوا في طريقهم بأمّ معبد » أي واسمها عاتكة ، وكان منزلها بقديد ، أي وهو محل سراقة كما تقدم ، ولعلها كانت بطرفه الأخير الذي يلي المدينة ، ومنزل سراقة بطرفه الذي يلي مكة وكانت مسافته متسعة فليتأمل . « وكانت أمّ معبد امرأة برزة جلدة تختبي بفناء بيتها وتطعم وتسقي وهي لا تعرفهم ، أي وسألوها لحما وتمرا » أي وفي رواية « أو لبنا يشترونه ، فقالت : واللّه لو كانت عندنا شيء ما أعوزناكم » أي للشراء ، وفي رواية « ما أعوزناكم القرى » لأنهم كانوا مسنتين : أي مجدبين « فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا أم معبد هل عندك من لبن ؟ قالت : لا واللّه ، فرأى شاة خلفها الجهد عن الغنم » أي لم تطق اللحاق بها لما بها من الهزال « قال هل بها من لبن ؟ قالت : هي أجهد من ذلك قال : أتأذنين في حلابها ؟ قالت : واللّه ما ضربها من فحل قط فشأنك » أي أصلح شأنك « بها إن رأيت منها حلبا فاحلبها ، فدعا بها فمسح ظهرها بيده » أي وفي رواية « فبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم معبدا وكان صغيرا فقال ادع هذه الشاة ، ثم قال : يا غلام هات فرقا ، فمسح ظهرها » وفي رواية « فمسح بيده ضرعها وظهرها وسمى اللّه تعالى ، أي وقال : اللهم بارك لنا في شاتنا فدرت واجترت وتفاحجت » أي فتحت ما بين رجليها للحلب « ثم دعا بإناء يربض الرهط » أي يرويهم بحيث يغلب عليهم الريّ فيربضون وينامون . والرهط من الثلاثة للعشرة ، وقيل من التسعة إلى الأربعين « فحلب فيها ثجا » أي بقوة لكثرة اللبن . ومن ثم قال « حتى علاه البهاء » وفي رواية « حتى علته الثمالة » بضم المثلثة : أي الرغوة . وفي رواية « فسقاها فشربت حتى رويت ، وسقى أصحابه حتى رووا عللا بعد نهل » أي مرة ثانية بعد الأولى « ثم شرب صلى اللّه عليه وسلم ، فكان آخرهم شربا » وقال « ساقي القوم آخرهم شربا » ثم حلب فيه وغادره » أي تركه عندها وارتحل ، وإلى ذلك أشار الإمام السبكي بقوله في تائيته :