الحلبي

55

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

قال ابن عبد البر : وهذا أي القول بأنهما مكثا في الغار بضعة عشر يوما غير صحيح عند أهل العلم بالحديث . قال الحافظ ابن حجر : والمراد كما قال الحاكم أنهما مكثا مختفيين من المشركين في الغار وفي الطريق بضعة عشر يوما ، وذكر في الغار : أي الاقتصار عليه من بعض الرواة ، واللّه أعلم . قال : وعن أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما « أن أبا بكر أرسل ابنه عبد اللّه فحمل ماله وكان خمسة آلاف درهم أو أربعة آلاف ، وكان حين أسلم أربعين ألف درهم » وفي لفظ « أربعين ألف دينار » أي ويؤيد ذلك ما جاء عن أنس رضي اللّه تعالى عنه « أنفق أبو بكر على النبي صلى اللّه عليه وسلم أربعين ألف دينار ، فحمل إليه ذلك في الغار » قالت أسماء : فدخل علينا جدّي أبو قحافة رضي اللّه تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك ، وكان قد ذهب بصره ، فقال : واللّه إني لأراه - يعني أبا بكر - قد فجعكم بماله مع نفسه فقالت : كلا يا أبت إنه ترك لنا خيرا كثيرا ، قالت فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة : أي طاقة في البيت كان أبي يضع ماله فيها ، ثم وضعت عليها ثوبا ، ثم أخذت بيده فقلت : ضع يدك على هذا المال ، قالت : فوضع يده عليه فقال : لا بأس إن كان ترك لكم هذا ، ففي هذا بلاغ لكم ، ولا واللّه ما ترك لنا شيئا ، ولكن أردت أن أسكن قلب الشيخ ا ه . أي ولما بلغ ضمرة بن جندب خروجه صلى اللّه عليه وسلم وكان مريضا فقال : لا عذر لي في مقامي بمكة فأمر أهله فخرجوا به ، فلما وصل إلى التنعيم مات به ، فأنزل اللّه تعالى وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [ النّساء : الآية 100 ] وقيل نزلت في خالد بن حرام بن خويلد بن أسد ، أسلم قديما ، وهاجر إلى الحبشة في المرة الثانية ، فمات من نهش حية قبل أن يصل . وجاء « أنه قال لحسان رضي اللّه تعالى عنه هل قلت في أبي بكر شيئا ؟ قال نعم ، قال : قل وأنا أسمع ، فقال : وثاني اثنين في الغار المنيف وقد * طاف العدو به إذ صاعدوا الجبلا وكان حب رسول اللّه قد علموا * من البرية لم يعدل به رجلا فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى بدت نواجذه » أي وفي لفظ « فتبسم ، ثم قال صدقت يا حسان ، هو كما قلت » إنه أحب البرية إليه ، أي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يعدل به غيره . أقول : في ينبوع الحياة : والذي أعرف في هذين البيتين ، أنهما من أبيات رثى بهما حسان أبا بكر رضي اللّه تعالى عنهما هذا كلامه . وقد يقال : لا مانع أن يكون أدخلهما حسان في مرثيته لأبي بكر بعد ذلك ،