الحلبي
450
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
أقول في الإمتاع : وجاء سعد بن عبادة ، والحباب بن المنذر . فقالا : يا رسول اللّه إن الأوس قد كرهت قتل بني قريظة لمكان حلفهم ، فقال سعد بن معاذ رضي اللّه عنه : ما كرهه أحد من الأوس فيه خير ، فمن كرهه فلا أرضاه اللّه ، فقام أسيد بن حضير ، فقال : يا رسول اللّه لا تبق دارا من دور الأوس إلا فرقتهم فيها ، ففرقهم في دور الأنصار فقتلوهم هذا كلامه . والضمير في قتلوهم ظاهر في رجوعه للأوس ، وأنهم المراد بالأنصار . وقد يقال لا مخالفة لأنه يجوز أن يكون المراد بالأوس الذين كرهوا ذلك طائفة منهم ، وأن تلك الطائفة قتلوا من بعث به إلى دورهم ، وما عدا ذلك تعاطى قتله عليّ والزبير واللّه أعلم . ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة أخرجت من بين النساء يقال لها نباتة ، وقيل مزنة ، كانت طرحت رحى على خلاد بن سويد رضي اللّه عنه فقتلته بإرشاد زوجها ، لأنه أحب أن لا تبقى بعده فيتزوّجها غيره . وقد أسهم صلى اللّه عليه وسلم لخلاد بن سويد هذا ، وقال : إن له أجر شهيدين ، وأسهم لسنان بن محصن ، وقد مات في زمن الحصار . وعن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : لم يقتل من نسائهم يعني بني قريظة إلا امرأة واحدة ، قالت : واللّه إنها لعندي تتحدث معي وتضحك ظهرا وبطنا ، أي وكانت جارية حلوة ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقتل رجلها في السوق ، أي لأنها دخلت على عائشة ، وبنو قريظة يقتلون . إذ هتف هاتف باسمها أين نباتة ، قالت : أنا واللّه ؛ قالت عائشة : فقلت لها ، ويلك ما لك ؟ قالت : أقتل قلت : ولم ؟ قالت : لحدث أحدثته ، أي وفي لفظ قتلني زوجي . فقالت لها عائشة : كيف قتلك زوجك ، قالت : أمرني أن ألقي رحى على أصحاب محمد كانوا تحت الحصن مستظلين في فيئة ، فأدركت خلاد بن سويد فشدخت رأسه فمات وأنا أقتل به . وفي لفظ آخر : إني كنت زوجة رجل من بني قريظة ، وكان بيني وبينه كأشد ما يتحاب الزوجان ، فلما اشتد أمر المحاصرة ، قلت لزوجي : يا حسرتي على أيام الوصال ، كادت أن تنقضي وتتبدل بليالي الفراق وما أصنع بالحياة بعدك ؟ فقال زوجي : إنك صادقة في دعوى المحبة ، تعالى فإن جماعة من المسلمين جالسون في ظل حصن . قال الزبير بن بطا وهو بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة فألقي عليهم حجر الرحا لعله يصيب واحدا منهم فيقتله ، فإن ظفروا بنا فإنهم يقتلونك بذلك ففعلت ، قالت : فانطلق بها فضرب عنقها فكانت عائشة رضي اللّه عنها تقول : واللّه ما ألقى عجبا منها ، طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت أنها تقتل .