الحلبي

446

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

الآية 27 ] الآية : أي وقيل نزل وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [ التوبة : الآية 102 ] الآية ، وهذا أثبت من الأوّل ، وقد يقال : كلاهما نزل فيه تلك الآية في توجه اللوم عليه ، وهذه في توبته . لا يقال : هي ليست نصا في توبة اللّه عليه . لأنا نقول : الترجي في حقه تعالى أمر محقق . وعن أبي لبابة رضي اللّه عنه : لما أرسلت بنو قريظة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسألوه أن يرسلني إليهم ، دعاني قال : اذهب إلى حلفائك ، فإنهم أرسلوا إليك من بين الأوس ، فذهبت إليهم ، فقام كعب بن أسيد فقال : يا أبا بشير قد عرفت ما بيننا . وقد اشتد علينا الحصار وهلكنا ، ومحمد لا يفارق حصننا حتى ننزل على حكمه ، فلو زال عنه لحقنا بأرض الشام أو خيبر ، ولم نطأ له أرضا ، ولم نكثر عليه جمعا أبدا ، أما ترى قد اخترناك على غيرك ، أننزل على حكم محمد ؟ قال أبو لبابة نعم فانزلوا ، وأومأ إلى حلقه بالذبح . قال : فندمت واسترجعت ، فقال لي كعب : ما لك يا أبا لبابة ؟ فقلت : خنت اللّه ورسوله ، فنزلت وإن عيني لتسيل من الدموع . ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ، فلم يأت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وارتبط بالمسجد إلى عمود من عمده : أي وهي السارية ، ويقال لها الأسطوانة : وهي التي كانت عند باب أم سلمة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم في حر شديد ، وقيل الأسطوانة المخلقة التي يقال لها أسطوانة التوبة ، والأوّل أثبت ، وكانت تلك الأسطوانة أكثر تنفله صلى اللّه عليه وسلم عندها ، وكان ينصرف إليها من صلاة الصبح ، فكان يستبق إليها الفقراء والمساكين ومن لا بيت له إلا المسجد ، فيجيء إليهم صلى اللّه عليه وسلم ويتلو عليهم ما أنزل من ليلته ويحدثهم ويحدثونه ، وكان ارتباطه بسلسلة ريوض أي ثقيلة . وقال : واللّه لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب اللّه علي مما صنعت ، وعاهد اللّه أن لا يطأ بني قريظة أبدا ، ولا يرى في بلد خان اللّه ورسوله فيه أبدا ، فلما بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خبره وكان قد استبطأه . قال : أما لو جاءني لاستغفرت له ، وأما إذ فعل ما فعل ، فما أنا بالذي أطلقه حتى يتوب اللّه عليه . هذا ، وفي كلام البيهقي وأورده في الدر أن ارتباطه إنما كان لتخلفه عن تبوك . فقد ذكر أنه لما أشار بيده إلى حلقه وأخبر عنه صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أحسبت أن اللّه غفل عن يدك حيث تشير إليهم بها إلى حلقك ، فلبث حينا ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عاتب عليه . ثم لما غزا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تبوك كان أبو لبابة فيمن تخلف ، فلما قفل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أي رجع جاءه أبو لبابة يسلم عليه ، فأعرض عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ففزع أبو لبابة وارتبط بالسارية . واستغرب ذلك بعضهم ، فقال : وأغرب من ادعى أن أبا لبابة إنما فعل ذلك لتخلفه عن غزوة تبوك .