الحلبي
435
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
يخرجون حتى ترسلوا إليهم رهنا سبعين رجلا من أشرافكم ، فإنهم يخافون إن أصابكم ما تكرهون رجعتم وتركتموهم ، فلم ترد لهم قريش جوابا . وجاءهم نعيم وقال لهم : كنت عند أبي سفيان ، وقد جاءه رسولكم . فقال لو طلبوا مني عناقا ما دفعتها لهم ، فاختلفت كلمتهم ، أي وجاء حيي بن أخطب لبني قريظة فلم يجد منهم موافقة له وقالوا : لا نقاتل معهم حتى يدفعوا إلينا سبعين رجلا من قريش وغطفان رهنا عندنا ، وبعث اللّه تعالى ريحا عاصفا ، أي وهي ريح الصبا في ليال شديدة البرد ، فنقلت بيوتهم ، وقطعت أطنابها ، وكفأت قدورهم على أفواهها ، وصارت الريح تلقي الرجال على أمتعتهم . وفي رواية : دفنت الرجال وأطفأت نيرانهم . أي وأرسل اللّه إليهم الملائكة زلزلتهم . قال تعالى فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [ الأحزاب : الآية 9 ] ولم تقاتل الملائكة بل نفثت في روعهم الرعب . وقال صلى اللّه عليه وسلم « نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور » وفي لفظ « نصر اللّه المسلمين بالريح ، وكانت ريحا صفراء ملأت عيونهم ودامت عليهم » . ثم إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بلغه اختلاف كلمتهم ، وكانت تلك الليلة شديدة البرد والريح في أصوات ريحها أمثال الصواعق ، وسيأتي أنها لم تجاوز عسكر المشركين ، وشديدة الظلمة بحيث لا يرى الشخص أصبعه إذا مدها . فجعل المنافقون يستأذنون ويقولون إن بيوتنا عورة : أي من العدو ، لأنها خارج المدينة ، وحيطانها قصيرة يخشى عليها السرقة ، فائذن لنا أن نرجع إلى نسائنا وأبنائنا وذرارينا فيأذن صلى اللّه عليه وسلم لهم . قيل ولم يبق معه صلى اللّه عليه وسلم تلك الليلة إلا ثلاثمائة ، وقال : من يأتينا بخبر القوم : فقال الزبير رضي اللّه عنه : أنا . قال صلى اللّه عليه وسلم ذلك ثلاثا والزبير يجيبه بما ذكر . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « لكل نبي حواري » أي ناصر « وإن حواري الزبير » أي وهذا قاله صلى اللّه عليه وسلم له أيضا عند إرساله لكشف خبر بني قريظة ، هل نقضوا العهد أولا ؟ كما تقدم . وسيأتي قول ذلك له أيضا في خيبر . وفي الحديث « حواري الزبير من الرجال وحواري من النساء عائشة » وفي رواية « أنه صلى اللّه عليه وسلم قال إلا رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع ؟ أسأل اللّه أن يكون رفيقي في الجنة » وفي لفظ « يكون معي يوم القيامة » وفي لفظ « يكون رفيق إبراهيم يوم القيامة » قال ذلك ثلاثا فما قام أحد من شدة الخوف والجوع والبرد ، فدعا صلى اللّه عليه وسلم حذيفة بن اليمان . قال : فلم أجد بدّا من القيام حيث فوّه باسمي ، فجئته صلى اللّه عليه وسلم فقال : تسمع كلامي منذ الليلة ولا تقوم ؟ فقلت : لا ، والذي بعثك بالحق إن قدرت . أي ما قدرت على ما بي من الجوع والبرد والخوف ، فقال : اذهب حفظك اللّه من أمامك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك حتى ترجع إلينا . قال حذيفة : فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني . وقال : يا حذيفة اذهب فادخل في