الحلبي

434

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

عني ، قالوا : نفعل . قال : لقد رأيتم ما وقع لبني قينقاع ولبني النضير من إجلائهم وأخذ أموالهم ، وإن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم البلد بلدكم ، وبها أموالكم ونساؤكم وأبناؤكم ، لا تقدرون على أن ترحلوا منه إلى غيره ، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم : أي عاونتموهم عليه ، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره فليسوا كأنتم ، فإن رأوا نهزة : أي فرصة أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين بلدكم ، والرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم ، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم ، أي سبعين رجلا يكونون بأيديكم ثقة لكم ، على أن يقاتلوا معكم محمدا حتى يناجزوه : أي يقاتلوه . قالوا له : لقد أشرت بالرأي والنصح ، ودعوا له وشكروا ، وقالوا : نحن فاعلون . قال : ولكن اكتموا عني ، قالوا : نفعل . ثم خرج رضي اللّه عنه حتى أتى قريشا ، فقال لأبي سفيان ومن معه من أشراف قريش : قد عرفتم ودي لكم وفراقي لمحمد ، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا . قالوا : نفعل ، قال : تعلمون أن معشر يهود : يعني بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد : أي من نقض عهده . وقد أرسلوا إليه ، أي وأنا عندهم أنا قد ندمنا على ما فعلنا ، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين ، قريش وغطفان رجالا من أشرافهم ، أي سبعين رجلا فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ؟ أي وتردّ جناحنا الذي كسرت إلى ديارهم : يعنون بني النضير ، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم فأرسل إليهم نعم ، فإن بعثت إليكم يهود يطلبون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا ، واحذروهم على أسراركم ، ولكن اكتموا عني ولا تذكروا من هذا حرفا . قالوا : لا نذكره . ثم خرج رضي اللّه عنه حتى أتى غطفان . فقال : يا معشر غطفان ، إنكم أهلي وعشيرتي وأحب الناس إليّ ولا أراكم تتهمونني ، قالوا : صدقت ، ما أنت عندنا بمتهم . قال : فاكتموا عليّ ، قالوا نعم ، فقال لهم ، مثل ما قال لقريش وحذرهم . فلما كان ليلة السبت ، أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان . فقالوا لهم : إنا لسنا بدار مقام وقد هلك الخف والحافر ، فاغدوا للقتال حتى نناجز : أي نقاتل محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه . فأرسلوا إليهم : إن اليوم : أي الذي يلي هذه الليلة يوم السبت ، وقد علمتم ما نال منا من تعدي في السبت ، ومع ذلك فلا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا ، أي سبعين رجلا ، فقالوا : صدق واللّه نعيم . وفي رواية أن بني قريظة أرسلت لقريش قبل مجيء رسل قريش إليهم رسولا يقول لهم : ما هذا التواني ، والرأي أن تتواعدوا على يوم يكونون معكم فيه لكنهم لا