الحلبي

42

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وقد أذنت له في لبس الطيلسان ، لأنه شهادة بالأهلية ، وما يجعل على الأكتاف دون الرأس يقال له رداء فقط ، وربما قيل له طيلسان أيضا مجازا . وصح عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه وله حكم المرفوع « التقنع من أخلاق الأنبياء » . وقد ذكر بعضهم أن الطيلسان الخلوة الصغرى وفي حديث « لا يتقنع إلا من استكمل الحكمة في قوله وفعله » وكان ذلك من عادة فرسان العرب في المواسم والجموع كالأسواق . وأول من لبس الطيلسان بالمدينة جبير بن مطعم رضي اللّه تعالى عنه . وعن الكفاية لابن الرفعة أن ترك الطيلسان للفقيه مخلّ بالمروءة أي وهو بحسب ما كان في زمنه رحمه اللّه . وفي الترمذي « لم تكن عادته صلى اللّه عليه وسلم التقنع إنما كان يفعله لحر أو برد » . وتعقب بأن في حديث أنس « أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يكثر التقنع » وفي طبقات ابن سعد مرسلا أنه ذكر لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « هذا ثوب لا يؤدي شكره » أي لأن فيه غض البصر ، ومن ثم قيل إنه الخلوة الصغرى كما تقدم . ولما قيل لأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه ذلك ، أي هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم متقنعا ، قال أبو بكر : فدا له أبي وأمي ، واللّه ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر ، قال : فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاستأذن فأذن له فدخل ، أي وتنحى أبو بكر عن سريره وجلس عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه : « أخرج من عندك ، قال أبو بكر : إنما هي أهلك » أي لأنه صلى اللّه عليه وسلم كان عقد على عائشة رضي اللّه تعالى عنها كما تقدم ، فأمها من جملة أهله وأختها كذلك ، وقيل هو على حدّ قول الشخص لآخر أهلي أهلك . وفي رواية « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اخرج من عندك ، فقال أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه : لا عين عليك إنما هما ابنتاي » أي وسكت عن أمهما سترا « قال : فإنه قد أذن لي في الخروج ، فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول اللّه بأبي أنت وأمي ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نعم ، أي فبكى أبو بكر سرورا ؟ قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها : فرأيت أبا بكر يبكي ، وما كنت أحسب أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر » وللّه درّ القائل : ورد الكتاب من الحبيب بأنه * سيزورني فاستعبرت أجفاني غلب السرور عليّ حتى إنني * من فرط ما قد سرني أبكاني يا عين صار الدمع عندك عادة * تبكين من فرح ومن أحزان أي ومنه : أقرّ اللّه عينه لم يدعى له ، وهو قرّة عين لمن يفرح به . وأسخن عينه لمن يدعى عليه : وهو سخنة العين لما يحزن به ، لأن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة . وقد روي « أن نبيا من الأنبياء اجتاز بحجر يخرج منه الماء ، فسأل ربه عن