الحلبي
384
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
بقولها « ما كلمته في قومي » أي فيمن بقي منهم . ثم لا يخفى أن مجيء أبيها أو أخيها ومجيء وفدهم لفدائهم مخالف لما تقدم من أنه أسر سائرهم : الرجال والنساء والذرية ، ولم يفلت منهم أحد ، ويبعد غياب هؤلاء خصوصا أباها الذي كان يجمع القوم ، فعليك أن تتنبه للجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها واللّه أعلم . ثم بعد ذلك أسلم بنو المصطلق . وبعد بعامين بعث إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط لأخذ الصدقة : أي وكان بينهم وبينه شحناء في الجاهلية ، فخرجوا للقائه وهم متقلدون السيوف فرحا وسرورا بقدومه ، فتوهم أنهم خرجوا لقتاله ففر راجعا ، وأخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأنهم ارتدوا ، فهمّ عليه الصلاة والسلام بقتالهم : أي وأكثر المسلمون ذكر غزوهم ، فعند ذلك قدم وفدهم وأخبروا بأنهم خرجوا إليه ليكرموه ويؤدوا ما عليهم من الصدقة . أي وفي رواية أنه صلى اللّه عليه وسلم أرسل إليهم خالد بن الوليد فأخبروه الخبر . وعند إرساله قال له صلى اللّه عليه وسلم أرمقهم عند الصلاة فإن كان القوم تركوا الصلاة فشأنك بهم ، فدنا منهم عند غروب الشمس ، فكمن حيث يسمع الصلاة ، فإذا هو بالمؤذن قد قام حين غربت الشمس فأذن ثم أقام الصلاة فصلوا المغرب ، ثم لما غاب الشفق أذن مؤذنهم ثم أقام الصلاة فصلوا العشاء ، ثم لما كان جوف الليل فإذا هم يتهجدون ثم عند طلوع الفجر أذن مؤذنهم وأقام الصلاة فصلوا ، فلما انصرفوا وأضاء النهار فإذا هم بنواصي الخيل في ديارهم . فقالوا ما هذا ؟ قيل خالد بن الوليد . فقالوا يا خالد ما شأنك ؟ قال : أنتم واللّه شأني ، أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقيل له إنكم تركتم الصلاة وكفرتم باللّه ، فجثوا يبكون وقالوا معاذ اللّه ، وهذا الوليد بيننا وبينه شحناء في الجاهلية ، وإنما خرجنا بالسيوف خشية أن يكافئنا بالذي كان بيننا وبينه ، فرد الخيل عنهم ورجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأنزل اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ [ الحجرات : الآية 6 ] الآيتين . قال ابن عبد البر رحمه اللّه : لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ [ الحجرات : الآية 6 ] نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بني المصطلق لأخذ صدقاتهم : أي ونزل فيه وفي علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ ( 18 ) [ السّجدة : الآية 18 ] أي فكان يدعى الفاسق ، وبعثه لأخذ صدقات بني المصطلق يرد قول من قال إنه ممن أسلم يوم الفتح ، وكان قد ناهز الحلم . أي ويرد ما روى بعضهم عنه أنه قال : لما افتتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيمسح على رؤوسهم ويدعو لهم بالبركة فأتي بي إليه وأنا مضمخ بالخلوق ، فلم يمسح على رأسي ، ولم يمنعه من ذلك إلا وجود الخلوق .