الحلبي
383
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
موضع كذا ؟ قال : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول اللّه ، واللّه ما كان معي أحد ولا سبقني إليك أحد فأسلم . وفيه ما تقدّم في أبيه فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لك الهجرة حتى تبلغ برك الغماد ، هذا كلامه . والذود : من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر . والمتبادر من هذا السياق أنه جاء بذلك الذود وتلك الجارية للفداء ، فعنّ له أن يسأل في الفداء من غير شيء ، فغيب ذلك الذود وتلك الجارية طمعا في أنه صلى اللّه عليه وسلم يجيبه لذلك لمكان أخته عنده . ويحتمل أن العبارة فيها اختصار ، وحينئذ يكون الأصل في قوله صلى اللّه عليه وسلم فما جئت به المال الزائد على هذا الذي جئت به ، فيكون الذود والجارية بعض ما جاء به للفداء ؛ فقال : ما جئت بشيء : أي زائد على هذا الذي جئت به لأنه يبعد أن يطلب الفداء من غير شيء فليتأمل . وفي لفظ أنه لما جاء أبوها في فدائها دفعت إليه ابنته جويرية وأسلمت وحسن إسلامها فخطبها النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى أبيها ، فزوّجه إياها وأصدقها أربعمائة درهم . وفي الإمتاع يقال : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم جعل صداقها عتق كل أسير من بني المصطلق . ويقال جعل صداقها عتق أربعين من قومها ، ولا يخفى أن مجيء أبيها في فدائها وتزويجها للنبي صلى اللّه عليه وسلم مخالف لسياق ما تقدم أنه تزوجها وهم على الماء ، ويحتاج للجمع بين ما ذكر وبين ما روي أنه لما رأى المسلمون أنه صلى اللّه عليه وسلم تزوج جويرية قال في حق بني المصطلق : أصهار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأعتقوا ما بأيديهم منهم . وعبارة الإمتاع : ولما تزوّجها صلى اللّه عليه وسلم ، خرج الخبر إلى الناس وقد اقتسموا رجال بني المصطلق وملكوهم ووطئوا نساءهم ، فقالوا أصهار النبي صلى اللّه عليه وسلم فأعتقوا ما بأيديهم من ذلك السبي . وعن جويرية رضي اللّه تعالى عنها قالت : لما أعتقني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتزوّجني ، واللّه ما كلمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم ، وما شعرت إلا بجارية من بنات عمي تخبرني الخبر ، فحمدت اللّه سبحانه وتعالى . أقول : وذكر بعضهم أن ليلة دخوله صلى اللّه عليه وسلم بها طلبتهم منه فوهبهم لها ويحتاج للجمع ، ويقال في الجمع بين ما تقدم من فدائهم وإطلاقهم من غير فداء بأنه يجوز أن يكون الفداء وقع لبعضهم قبل عتق جويرية والتزوّج بها ، فلما تزوّجها صلى اللّه عليه وسلم أطلق بعضهم الآخر الباقي ، فالفداء وقع لبعضهم والإعتاق وقع لبعضهم الآخر ، فإن السبي كان لأهل مائتي بيت . ويؤيد ذلك قول بعضهم : كان السبي منهم من منّ عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بغير فداء ومنهم من افتدى . ويؤيد ذلك ما يأتي في كلام عائشة رضي اللّه تعالى عنها أن الإعتاق كان لأهل مائة بيت ، أي فيكون الفداء لأهل مائة بيت والإطلاق في الفداء لأهل المائة الأخرى ، ويكون مراد جويرية رضي اللّه عنها