الحلبي

380

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وتزوجها ، أي وهي ابنة عشرين سنة ، وسماها جويرية : أي وكان اسمها برة ، وكذلك ميمونة ، وزينب بنت جحش كان اسم كل منهما برة فغيره صلى اللّه عليه وسلم ، وكذا كان اسم بنت أم سلمة برة فسماها زينب . ويذكر أن عليا كرم اللّه وجهه هو الذي أسرها . أقول : ولا مانع أن يكون عليّ كرّم اللّه وجهه أسرها ثم وقعت في سهم ثابت وابن عمه رضي اللّه عنهما عند القسمة ، لأنه لم يثبت في هذه الغزوة أنه صلى اللّه عليه وسلم جعل الأسرى لمن أسرهم كما وقع في بدر ، إلا ما يأتي من قول أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه : ورغبنا في الفداء وقد يقال : رغبوا في الفداء بعد القسمة واللّه أعلم . قال : وعن عائشة رضي اللّه عنها قالت « كانت جويرية امرأة حلوة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه ، فبينما النبي صلى اللّه عليه وسلم عندي ونحن على الماء : أي الذي هو المريسيع ، إذ دخلت جويرية تسأله في كتابتها ، فو اللّه ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت ، فقالت : يا رسول اللّه إني امرأة مسلمة الحديث » ا ه وإنما كرهت ذلك لما جبلت عليه النساء من الغيرة . ومن ثم جاء « أنه صلى اللّه عليه وسلم خطب امرأة فأرسل عائشة رضي اللّه تعالى عنها لتنظر إليها ، فلما رجعت إليه قالت : ما رأيت طائلا ، فقال : بلى لقد رأيت خالا في خدّها فاقشعرت منه كل شعرة في جسدك ، أي وفي لفظ آخر عن عائشة رضي اللّه عنها « فما هو إلا أن وقفت جويرية بباب الخباء لتستعين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على كتابتها فنظرت إليها فرأيت على وجهها ملاحة وحسنا ، فأيقنت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا رآها أعجبته علما منها بموقع الجمال منه صلى اللّه عليه وسلم ، فما هو إلا أن كلمته صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لها صلى اللّه عليه وسلم : خير من ذلك ، أنا أؤدي كتابتك وأتزوجك ، فقضى عنها كتابتها وتزوجها » والملاح أبلغ من المليح ، والمليح ، مستعار من قولهم طعام مليح : إذا كان فيه الملح بمقدار ما يصلحه . قال الأصمعي رحمه اللّه : الحسن في العينين ، والجمال في الأنف ، والملاحة في الفم . وهذا السياق يدل على أنه صلى اللّه عليه وسلم تزوجها وهم على الماء الذي هو المريسيع ، ويؤيده ما يأتي عنها رضي اللّه تعالى عنها . قال الشمس الشامي رحمه اللّه : ونظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لجويرية حتى عرف من حسنها ما دعاه لتزوجها ، لأنها كانت أمة مملوكة : أي لأنها مكاتبة ، ولو كانت غير مملوكة : أي حرة ما ملأ صلى اللّه عليه وسلم عينه منها ، أو أنه صلى اللّه عليه وسلم نوى نكاحها ، أو أن ذلك كان قبل آية الحجاب . أقول : تبع في هذا السهيلي رحمه اللّه . وقد قدمنا أن من خصائصه صلى اللّه عليه وسلم جواز نظر الأجنبية والخلوة بها لأمنه صلى اللّه عليه وسلم من الفتنة ، فلا يحسن قوله ولو كانت حرة ما ملأ صلى اللّه عليه وسلم عينه منها .