الحلبي

353

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

به إلى معاوية ، فكان أول رأس نقل في الإسلام من بلد إلى بلد . قال بعضهم في معنى هذا المثل : أي لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين : إنه ينبغي للمرء أن يستعمل الحزم ، وهذا المثل لم يسمع من غيره صلى اللّه عليه وسلم . ومورده أن شخصا جرد سيفه وقصد النبي صلى اللّه عليه وسلم فضربه ليقتله فاخطأت الضربة ، فقال : كنت مازحا يا محمد فعفا عنه ، ثم عاد لمثل ذلك مرة أخرى وقال مثل ذلك ، فأمر صلى اللّه عليه وسلم بقتله وقال « لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين » . وأمر صلى اللّه عليه وسلم في ذلك المحل بقتل معاوية بن المغيرة بن أبي العاص وهو جد عبد الملك بن مروان لأمه ، وقد كان لجأ إلى ابن عمه عثمان بن عفان رضي اللّه عنه : أي فإنه لما رجع الكفار من أحد ذهب على وجهه ثم أتى باب عثمان فدقه ، فقالت أم كلثوم بنت النبي صلى اللّه عليه وسلم زوج عثمان من أنت ؟ قال : ابن عم عثمان ، فقالت : ليس هو هاهنا ، فقال : أرسلي إليه . فله عندي ثمن بعير كنت اشتريته منه ، فجاء عثمان ، فلما نظر إليه قال : أهلكتني وأهلكت نفسك ، فقال : يا بن عم لم يكن أحد أمس بي رحما منك فأجرني ، فأدخله عثمان رضي اللّه عنه منزله وصيره في ناحية ، ثم خرج عثمان ليأخذ له أمانا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فسمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : إن معاوية بالمدينة فاطلبوه ، فدخلوا منزل عثمان ، فأشارت إليهم أم كلثوم رضي اللّه عنها بأنه في ذلك المكان ، فأخرجوه وأتوا به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأمر بقتله ، فقال عثمان رضي اللّه عنه : والذي بعثك بالحق ما جئت إلا لآخذ له أمانا ، فهبه لي ، فوهبه له وأجله ثلاثا ، وأقسم صلى اللّه عليه وسلم إن وجده بعدها قتله . وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى حمراء الأسد ، فأقام معاوية ثلاثا يستعلم أخبار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليأتي بها قريشا ، فلما كان في اليوم الرابع عاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة فخرج معاوية هاربا ، فأدركه زيد بن حارثة وعمار بن ياسر رضي اللّه عنهما ، فرمياه حتى قتلاه ، وقد كان صلى اللّه عليه وسلم بعثهما إليه وقال لهما إنكما ستجدانه بموضع كذا وكذا : أي بموضع بينه وبين المدينة ثمانية أميال ، فوجداه به فقاتلاه . وقيل تبعه علي كرم اللّه وجهه فقتله ، وكان صلى اللّه عليه وسلم بعث ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم ، فلحق اثنان منهم للقوم بحمراء الأسد فقتلوهما فوجدهما صلى اللّه عليه وسلم قتيلين بحمراء الأسد فدفنهما في قبر واحد . ولا يأتي هنا الجواب المتقدم في قتلى أحد . وجاءه صلى اللّه عليه وسلم جبريل عليه السلام بعد رجوعه إلى المدينة ، بأن الحارث بن سويد في قباء فانهض إليه واقتص منه بمن قتله من المسلمين غدرا يوم أحد وهو المجذّر ، وتقدم أنه بالذال المعجمة مشددة مفتوحة ابن زياد ، وتقدم أنه بكسر الذال المعجمة وفتحها وتخفيف المثناة تحت ، لأن سويدا كان قد قتل زيادا أبا المجذر ، في الجاهلية ، فظفر المجذر بسويد والد الحارث فقتله في أبيه وذلك قبل الإسلام ، وكان