الحلبي
350
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ودعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم يحل ، فدفعه لعلي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ، ويقال لأبي بكر الصديق رضي اللّه عنه واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم . وركب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرسه : أي المسمى بالسكب ، ولم يكن مع أصحابه فرس سواه ، وعليه الدرع والمغفر وما يرى إلا عيناه وخرج الناس معه : أي جميع من كان معه صلى اللّه عليه وسلم في أحد . وعن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت في قوله تعالى الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ [ آل عمران : الآية 172 ] الآية ، قالت لعروة بن الزبير : يا بن أختي كان أبوك الزبير رضي اللّه عنه وأبو بكر لما أصاب نبيّ اللّه ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا فقال : من يرجع في أثرهم ، فانتدب منهم سبعون رجلا . قال ابن كثير وهذا السياق غريب جدا ، فإن المشهور عند أصحاب المغازي أن الذي خرجوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى حمراء الأسد كل من شهد أحدا وكانوا سبعمائة كما تقدم ، قتل منهم سبعون وبقي الباقي ، هذا كلامه فليتأمل مع ما تقدم . قال : والظاهر أنه لا تخالف ، لأن معنى قولها يعني عائشة : أنهم سبقوا غيرهم ، ثم تلاحق بهم الباقون وخرجوا وبهم الجراحات ولم يعرجوا على دواء جراحاتهم : أي لم يلتفتوا لذلك ، والمراد دواء غير تكميد جراحهم بالنار ، وهو أن تسخن خرقة وتوضع على العضو الوجع ، ويتابع ذلك مرة بعد أخرى ليسكن الوجع ، فلا يخالف أنهم فعلوا ذلك : أي أوقدوا النيران يكمدون بها جراحاتهم تلك الليلة . فمنهم من كان به تسع جراحات وهو أسيد بن حضير رضي اللّه عنه ، وعقبة بن عامر رضي اللّه عنه . ومنهم من كان به عشر جراحات ، وهو خراش بن الصمة رضي اللّه عنه ومنهم من كان به بضع عشرة جراحة ، وهو كعب بن مالك رضي اللّه عنه . ومنهم من كان به بضع وسبعون جراحة ، وهو طلحة بن عبيد اللّه ، وقطعت أصبعه . قيل السبابة ، وقيل البنصر فشلت بقية أصابع يده وهي اليسرى . وفي رواية أنامله كما تقدم . ومنهم من كان به عشرون جراحة ، وهو عبد الرحمن بن عوف كما تقدم : أي وجرح من بني سلمة أربعون جريحا فقال صلى اللّه عليه وسلم لما رآهم « اللهم ارحم بني سلمة » . وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو مجروح ، وفي وجهه أثر الحلقتين ، ومشجوج في وجهه ، ومكسورة رباعيته وشفته السفلى قد جرحت من باطنها : أي وفي المنتقى : وشفته العليا قد كلمت من باطنها متوهن منكبه الأيمن لضربة ابن قمئة لعنه اللّه ، وركبتاه مجروحتان من وقعته في الحفيرة ، وتلقاه صلى اللّه عليه وسلم طلحة بن عبيد اللّه رضي اللّه عنه ، فقال له يا طلحة أين سلاحك ؟ فقال : قريب ، فذهب وأتى بسلاحه وبصدره تسع جراحات من تلك الجراحات التي به ، وهي كما تقدم بضع وسبعون جراحة . يقول طلحة وأنا أهم بجراح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مني بجراحي . ثم أقبل عليّ رسول اللّه