الحلبي
35
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ريحكم فأحببت أن أجلس إليكم وأسمع كلامكم ، فإن كرهتم ذلك خرجت عنكم ؛ فقال بعضهم لبعض : هذا نجدي ولا عين عليكم منه ، وفي لفظ : هذا من أهل نجد لا من مكة فلا يضركم حضوره معكم . وعند المشهورة قال بعضهم لبعض : إن هذا الرجل يعني النبي صلى اللّه عليه وسلم : قد كان من أمره ما قد رأيتم ، وإنا واللّه لا نأمنه الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا فتشاوروا ، فقال قائل : أي وهو أبو البختري بن هشام احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء حتى يصيبه ما أصابهم من هذا الموت ، فقال الشيخ النجدي ، لا واللّه ما هذا لكم برأي ، واللّه لو حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه ، فلا تشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيدكم ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم ، ما هذا برأي ، فانظروا رأيا غيره ، فتشاوروا ، فقال قائل منهم ، أي وهو الأسود بن ربيعة بن عمير : نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا ، فإذا خرج عنا فو اللّه ما نبالي أين يذهب ، فقال الشيخ النجدي : واللّه ما هذا برأي ، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي اللّه به ؟ واللّه لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل » بفتح أوله وضم الحاء المهملة أي ينزل ، ويجوز أن يكون بكسرها : أي يسقط على حيّ من العرب فيغلب بذلك عليهم من قوله وحديثه حتى يبايعوه ثم يسير به إليكم حتى يطأكم بهم ، فيأخذوا أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد ، دبروا فيه رأيا غير هذا ؛ فقال أبو جهل بن هشام : واللّه إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد ، قالوا : وما هو يا أبا الحكم ؟ قال : الرأي أن تأخذوا من كل قبيلة شابا جلدا : أي قويا حسيبا في قومه نسيبا وسطا ، ثم يعطي كل فتى منهم سيفا صارما ثم يغدون إليه فيضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح منه ، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا ، فلم تقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فيرضوا منا بالعقل : أي الدية فعقلنا لهم . فقال النجدي : القول ما قال هذا الرجل ، هذا هو الرأي ولا أرى غيره ، فتفرق القوم على ذلك ، فأتى جبريل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : لا تبت هذه الليلة في فراشك الذي كنت تبيت عليه : أي وأخبره بمكرهم ، وأنزل اللّه عز وجل عليه وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [ الأنفال : الآية 30 ] الآية ، فلما كانت عتمة من الليل : أي الثلث الأول من الليل اجتمعوا على باب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يرصدونه حتى ينام فيثبوا عليه : أي وكانوا مائة . أقول في الدرّ المنثور : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير « لما ائتمروا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه ، قال له أبو طالب : هل تدري ما ائتمروا بك ؟ قال : يريدون أن يحبسوني أو يقتلوني أو يخرجوني ، قال : من حدّثك بهذا ؟ قال : ربي ، قال : نعم الرب ، وربك فاستوص به خيرا ، قال : أنا