الحلبي
335
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
رأى المسلمون جذع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على عمه قالوا : لئن أظفرنا اللّه تعالى بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب . وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما : إن اللّه تعالى أنزل في ذلك وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [ النحل : الآية 126 ، 127 ] الآية ، فعفا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصبر ، ونهى عن المثلة ، وكفر عن يمينه ، وكان نزول هذه الآيات بعد أن مثل صلى اللّه عليه وسلم بالعرنيين . وستأتي قصتهم في السرايا . واعترضه ابن كثير رحمه اللّه بأن هذه الآيات مكية وقصة أحد في المدينة بعد الهجرة بثلاث سنوات ، فكيف يلتئم هذا مع هذا ، هذا كلامه . وقد يقال : يجوز أن يكون ذلك مما تكرر نزوله فليتأمل . وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه « ما رأينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم باكيا أشد من بكائه على حمزة رضي اللّه عنه ، وضعه في القبلة ثم وقف على جنازته وانتحب حتى نشق » أي شهق « حتى بلغ به الغشي يقول : يا عم رسول اللّه ، وأسد اللّه ، وأسد رسول اللّه ، يا حمزة يا فاعل الخيرات ، يا حمزة يا كاشف الكربات ، يا حمزة يا ذابّ » أي بالذال المعجمة « يا مانع عن وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » أي قال ذلك لا مع البكاء . فلا يقال هذا من الندب المحرم وهو تعديد محاسن الميت ، لأن ذلك مخصوص بما إذا قارنه البكاء وليس من نعي الجاهلية المكروه : وهو النداء بذكر محاسن الميت ؛ على أن النداء بذلك محل كراهته إذا كان على وجه التفاخر والتعاظم ، ولم يكن وصفا لنحو صالح للحث على سلوك طريقته . وقال صلى اللّه عليه وسلم « جاءني جبريل عليه السلام ، وأخبرني بأن حمزة مكتوب في أهل السماوات السبع : حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه ، وأسد رسوله . وأمر صلى اللّه عليه وسلم الزبير رضي اللّه عنه أن يرجع أمه صفية أخت حمزة رضي اللّه عنها عن رؤيته ، فقال لها : يا أمه إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأمرك أن ترجعي ، فدفعت في صدره وقالت : لم ؟ وقد بلغني أنه مثل بأخي ، وذلك في اللّه فما أرضاني بما كان في اللّه من ذلك » أي أنا أشد رضا بذلك من غيري « لأحتسبن ، ولأصبرنّ إن شاء اللّه تعالى ، فجاء الزبير رضي اللّه عنه ، فأخبره صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، فقال : خل سبيلها ، فجاءت واسترجعت واستغفرت له » . وفي رواية « إن صفية لقيت عليا والزبير رضي اللّه عنهما ، فقالت لهما : ما فعل حمزة : فأرياها أنهما لا يدريان » أي رحمة بها « فجاءت النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : إني أخاف على عقلها فوضع صلى اللّه عليه وسلم يده الشريفة على صدرها ودعا لها فاسترجعت وبكت » أي لما رأته ، أي وفي رواية « لما منعها عليّ والزبير رضي اللّه عنهما قالت : لا أرجع حتى أرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فلما رأته قالت : يا رسول اللّه أين ابن أمي حمزة ؟