الحلبي

318

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

الهلال ليلة استهلاله ، ستر ذلك الوجه الحسن الأصلي بالحسن العارض بسبب ذلك الجرح ، فأعجب لجمال أصلي له الجمال العارض وقاية وساتر ، فهو : أي ما ظهر بذلك الجرح كالزهر إذا ظهر من ستره وكالعود الذي يتطيب به إذا أزيل عنه قشره ، وقال حسان رضي اللّه عنه في وصف جبينه الشريف صلى اللّه عليه وسلم : متى يبدو في الداجي البهيم جبينه * يلح مثل مصباح الدجى المتوقد وجرحت وجناته صلى اللّه عليه وسلم بسبب دخول حلقتين من المغفر في وجنتيه بضربة من ابن قمئة لعنه اللّه ، وقال له لما ضربه : خذها وأنا ابن قمئة فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أقمأك اللّه عز وجل : أي صغرك وأذلك . وقد استجاب اللّه فيه دعوة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه بعد الوقعة خرج إلى غنمه فوافاها على ذروة الجبل : أي أعلى الجبل ، فأخذ يعترضها فشد عليه كبشها فنطحه أرداه من شاهق الجبل فتقطع . وفي رواية : فسلط اللّه عليه تيس جبل ، فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة . أقول : ويمكن الجمع بأنه لما نطحه ذلك الكبش ووقع من شاهق الجبل إلى أسفل سلط اللّه عليه عند ذلك تيس الجبل فنطحه حتى قطعه قطعا زيادة في نكاله وخزيه ووباله ، لعنة اللّه عليه ، واللّه أعلم . « ولما جرح وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صار الدم يسيل على وجهه الشريف ، وجعل صلى اللّه عليه وسلم يمسح الدم . وفي لفظ : ينشف دمه وهو يقول : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم » أي وفي رواية « اشتد غضب اللّه على قوم أدموا وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأنزل اللّه تعالى لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ( 128 ) [ آل عمران : الآية 128 ] أي وفي رواية « صار صلى اللّه عليه وسلم يقول : اللهم العن فلانا وفلانا : أي اللهم العن أبا سفيان ، اللهم العن الحارث بن هشام ، اللهم العن سهيل بن عمرو ، اللهم العن صفوان بن أمية فأنزل اللّه تعالى الآية » . فإن قيل كيف هذا مع قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : الآية 67 ] . أجيب بأن هذه الآية نزلت بعد أحد . وعلى تسليم أنها نزلت قبله ، فالمراد عصمته من القتل . قال الشيخ محيي الدين بن العربي رحمه اللّه : لا يخفى أن أجر كل نبي في التبليغ يكون على قدر ما ناله من المشقة الحاصلة له من المخالفين له ، وعلى قدر ما يقاسيه منهم . وله أجر الهداية لمن أطاعه ولا أحد أكثر أجرا من نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم فإنه لم يتفق لنبي من الأنبياء ما اتفق له صلى اللّه عليه وسلم في كثير من طائعي أمة أجابته ، ولا في كثير عصاة أمة دعوته الخارجين عن الإجابة . وامتص مالك بن سنان الخدري وهو والد أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنهما