الحلبي

285

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

قوله فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ [ المائدة : الآية 56 ] فجمعهم صلى اللّه عليه وسلم وقال لهم « يا معشر يهود احذروا من اللّه مثل ما أنزل بقريش من النقمة » أي ببدر « وأسلموا ، فإنكم قد عرفتم أني مرسل ، تجدون ذلك في كتابكم وعهد اللّه تعالى إليكم ، قالوا : يا محمد إنك ترى أنا قومك أي تظننا أنا مثل قومك ، ولا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت لهم فرصة ، إنا واللّه لو حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس » وفي لفظ « لتعلمن أنك لم تقاتل مثلنا » أي لأنهم كانوا أشجع اليهود وأكثرهم أموالا وأشدهم بغيا ، فأنزل اللّه تعالى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ [ آل عمران : الآية 12 ] الآية ، أي وأنزل اللّه وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [ الأنفال : الآية 58 ] الآية فتحصنوا في حصونهم ، فسار إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولواؤه وكان أبيض بيد عمه حمزة بن عبد المطلب رضي اللّه تعالى عنه . قال ابن سعد : ولم تكن الرايات يومئذ . وقد قدّمنا أن هذا يرده ما تقدم في ضمن غزاة بدر من أنه كان أمامه رايتان سوداوتان إحداهما مع علي ويقال لها العقاب ، ولعلها سميت بذلك في مقابلة الراية التي كانت في الجاهلية تسمى بهذا الاسم ، ويقال لها راية الرؤساء ، لأنه كان لا يحملها في الحرب إلا رئيس ، وكانت في زمنه صلى اللّه عليه وسلم مختصة بأبي سفيان رضي اللّه عنه ، لا يحملها في الحرب إلا هو أو رئيس مثله إذا غاب كما في يوم بدر . والأخرى مع بعض الأنصار ، وسيأتي في خيبر أن العقاب كان قطعة من برد لعائشة رضي اللّه عنها . واستخلف صلى اللّه عليه وسلم على المدينة أبا لبابة ، وحاصرهم خمس عشرة ليلة أشد الحصار ، لأن خروجه صلى اللّه عليه وسلم كان في نصف شوّال ، واستمر إلى هلال ذي القعدة الحرام ، فقذف اللّه في قلوبهم الرعب وكانوا أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع ، فسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يخلي سبيلهم ، وأن يجلوا من المدينة : أي يخرجوا منها ، وأن لهم نساءهم والذرية وله صلى اللّه عليه وسلم الأموال ، أي ومنها الحلقة التي هي السلاح . والظاهر من كلامهم أنه لم يكن لهم نخيل ولا أرض تزرع ، وخمست أموالهم أي مع كونها فيئا له صلى اللّه عليه وسلم لأنها لم تحصل بقتال ولا جلوا عنها قبل التقاء الصفين ، فكان له صلى اللّه عليه وسلم ولأصحابه الأربعة الأخماس . أقول : ولا يخفى أن من جملة أموالهم دورهم ، ولم أقف على نقل صريح دال على ما فعل بها ، وعلم أنه صلى اللّه عليه وسلم جعل هذا الفيء كالغنيمة . ومذهبنا معاشر الشافعية أن الفيء المقابل للغنيمة كالواقع في هذه الغزوة وغزوة بني النضير الآتية كان في زمنه صلى اللّه عليه وسلم يقسم خمسة أقسام ، له صلى اللّه عليه وسلم أربعة منها ، والقسم الخامس يقسم خمسة أقسام له صلى اللّه عليه وسلم منها قسم ، فيكون له أربعة أخماس وخمس الخمس والأربعة الأخماس الباقية من الخمس ، منها واحد لذوي القربى ، وآخر لليتامى ، وآخر للمساكين ، وآخر لابن