الحلبي
273
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ويدل لذلك ما رواه البخاري عن أنس « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أتى بمال من البحرين » أي من خراجهما « فقال انثروه في المسجد ، فكان أكثر مال أتي به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » أي كان مائة ألف « وكان أول خراج حمل إليه صلى اللّه عليه وسلم وكان يأتي في كل سنة » . وحينئذ لا يعارض هذا قوله صلى اللّه عليه وسلم لجابر « لو قد جاء مال البحرين أعطيتك فلم يقدم مال البحرين حتى توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » لأن المراد أنه لم يقدم في تلك السنة . ولما نظر ذلك المال في المسجد خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الصلاة ولم يلتفت إليه ، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فكان لا يرى أحدا إلا أعطاه ، فجاءه العباس ، فقال : يا رسول اللّه أعطني ، إني فاديت نفسي وفاديت عقيلا ، أي ولم يقل نوفلا ولا حليفه عتبة بن عمرو ، فقال : خذ فحثى في ثوبه ، ثم ذهب يقله فلم يستطع ، فقال مر بعضهم يرفعه إليّ ، قال لا قال : فارفعه أنت علي ، قال لا ، فنثر منه ، ولا زال يفعل كذلك حتى بقي ما يقدر على رفعه على كاهله أي بين كتفيه ، ثم انطلق وهو يقول : إنما أخذت ما وعد اللّه فقد أنجز فما زال صلى اللّه عليه وسلم يتبعه بصره عجبا من حرصه حتى خفي . ومنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على نفر من الأسارى بغير فداء ، منهم أبو عزة عمرو الجمحي الشاعر كان يؤذي النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين بشعره ، فقال : يا رسول اللّه إني فقير وذو عيال وحاجة قد عرفتها فامنن عليّ ، فمنّ عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أي وفي رواية قال له : إن لي خمس بنات ليس لهن شيء فتصدق بي عليهن ففعل وأعتقه ، وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدا . أي ولما وصل إلى مكة قال سحرت محمدا . ولما كان يوم أحد خرج مع المشركين يحرض على قتال المسلمين بشعره ، فأسر وقتل صبرا وحملت رأسه إلى المدينة كما سيأتي . أي فعلم أن أسرى بدر ؛ منهم من فدي ومنهم من خلي سبيله من غير فداء ، وهو أبو العاص ، وأبو عزة ، ووهب بن عمير ؛ ومنهم من مات ؛ ومنهم من قتل وهو النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط كما تقدم . ولما بلغ النجاشي نصرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ببدر فرح فرحا شديدا . فعن جعفر بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه أن النجاشي أرسل إليه وإلى أصحابه الذين معه بالحبشة ذات يوم ، فدخلوا عليه فوجدوه جالسا على التراب لابسا أثوابا خلقة ، فقالوا له : ما هذا أيها الملك ؟ فقال لهم : إني أبشركم بما يسركم ، إنه قد جاءني من نحو أرضكم عين لي فأخبرني أن اللّه عز وجل قد نصر نبيه ، وأهلك عدوه فلانا وفلانا وعدد جمعا التقوا بمحل يقال له بدر كثير الأراك كنت أرعى فيه غنما لسيدي من بني ضمرة ، فقال له جعفر ما لك جالس على التراب عليك هذه الأخلاق ؟ قال : إنا نجد فيما أنزل اللّه على عيسى أن حقا على عباد اللّه أن يحدثوا اللّه عز وجل تواضعا عندما أحدث لهم نعمة .