الحلبي
269
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
عني شأني وشأنك ، قال افعل ثم إن عميرا أخذ سيفه وشحذه ، بالمعجمة : أي سنه وسمه : أي جعل فيه السم ، ثم انطلق حتى قدم المدينة فبينما عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر إذ نظر إلى عمير حين أناخ راحلته على باب المسجد متوشحا السيف ، فقال : هذا الكلب عدوّ اللّه عمير ما جاء إلا بشر ، فدخل عمر رضي اللّه عنه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا نبي اللّه ، هذا عدوّ اللّه عمير بن وهب ، قد جاء متوشحا سيفه ، قال صلى اللّه عليه وسلم : فأدخله عليّ ، فأقبل عمر رضي اللّه عنه حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه ، والحمالة بكسر الحاء المهملة : العلاقة فمسكه بها وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار ادخلوا على رسول اللّه فأجلسوا عنده ، فإن هذا الخبيث غير مأمون ، ثم دخل به على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما رآه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعمر رضي اللّه عنه آخذ بحمالة سيفه في عنقه ، قال : أرسله يا عمر ، ادن يا عمير ، فدنا ثم قال عمير : أنعموا صباحا ، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قد أكرمنا اللّه بتحية خير من تحيتك يا عمير ، بالسلام تحية أهل الجنة ، ما جاء بك يا عمير ، فقال : جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم يعني ولده وهبا فأحسنوا فيه ، قال : فما بال السيف ، قال : قبحها اللّه من سيوف وهل أغنت عنا شيئا ، قال صلى اللّه عليه وسلم : أصدقني ما الذي جئت له ؟ قال : ما جئت إلا لذلك ، قال صلى اللّه عليه وسلم : بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش . ثم قلت لولا دين عليّ وعيالي لخرجت حتى أقتل محمدا فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له ، واللّه حائل بينك وبين ذلك ، قال عمير : أشهد أنك رسول اللّه ، قد كنا يا رسول اللّه نكذبك بما تأتي به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي ، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان ، فو اللّه إني لا أعلم ما أتاك به إلا اللّه تعالى ، فالحمد للّه الذي هدانا للإسلام وساقني هذا المساق ، ثم شهد شهادة الحق . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن ، وأطلقوا أسيره ففعلوا ذلك ، ثم قال : يا رسول اللّه إني كنت جاهدا على اطفاء نور اللّه ، شديد الأذى لمن كان على دين اللّه ، فأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى اللّه وإلى الإسلام لعل اللّه يهديهم وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم ، فأذن له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلحق بمكة وأسلم ولده وهب رضي اللّه عنه . وكان صفوان حين خرج عمير يقول : أبشروا بوقعة تأتيكم الآن تنسيكم وقعة بدر . وكان صفوان يسأل عنه الركبان ، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه ، فحلف أن لا يكلمه أبدا وأن لا ينفعه بنفع أبدا . أي ولما قدم عمير لم يبدأ بصفوان ، بل بدأ ببيته وأظهر الإسلام ودعا إليه ، فبلغ ذلك صفوان ، فقال : قد عرفت حيث لم يبدأ بي قبل منزله أنه قد نكس وصبأ ،