الحلبي
252
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ثم أقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم راجعا إلى المدينة ، فلما خرج من مضيق الصفراء قسم النفل ، أي الغنيمة ، وكانت مائة وخمسين من الإبل ، وعشرة أفراس ومتاعا وسلاحا وأنطاعا وثيابا وأدما كثيرا حمله المشركون للتجارة ، ونادى منادي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « من قتل قتيلا فله سلبه ، ومن أسر أسيرا فهو له » أي كما تقدم ، ولعله تكرر ذلك منه صلى اللّه عليه وسلم مرتين : مرة للتحريض على القتال ، ومرة عند القسمة ، فالمقسوم ما بقي بعد إخراج السلب وإخراج الأسرى قسم على المسلمين بالسوية بعد الاختلاف فيه ، فادّعى من قاتل العد وصده أنهم أحق به ، وادعى من جمعه أنهم أحق به ، وادعى من كان يحرس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في العريش أن غيرهم ليس بأحق به منهم ، أي لأن سعد بن معاذ رضي اللّه عنه قام على باب العريش الذي به صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر رضي اللّه عنه في نفر من الأنصار ، وفي رواية عن عبادة بن الصامت « أن جماعة خرجت في أثر العدّ وعند انهزامه ، وجماعة أكبوا على جمع الغنيمة فجمعوها ، وجماعة عند انهزام العدو أحدقوا به صلى اللّه عليه وسلم في العريش خوفا أن يصيب العدو منه غرة ولعل هؤلاء كانوا زيادة عمن كان مع سعد بن معاذ على باب العريش ؛ فادعى من أكب على جمعها أنهم أحق بها ، وادعى من عداهم أن أولئك ليسوا بأحق بها منهم » . أي وكون جماعة أحدقوا به صلى اللّه عليه وسلم بعد انهزام العدوّ ، قد يقال : لا ينافي ذلك ما تقدم عن ابن سعد « أنه لما انهزم المشركون دنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أثرهم بالسيف مصلتا يتلو هذه الآية سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 ) [ القمر : الآية 45 ] لجواز أن يكون صلى اللّه عليه وسلم خرج في أثرهم برهة من الزمان ، ثم عاد إلى العريش فأحدق به هؤلاء مع من تقدم ، فأنزل اللّه تعالى سورة الأنفال يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [ الأنفال : الآية 1 ] . فالنفل قد يطلق على الغنيمة كما هنا كما أشرنا إليه ، وسماها اللّه تعالى أنفالا لأنها زيادة في أموال المسلمين ، وكذا الفيء المذكور في سورة الحشر التي نزلت في غزوة بني النضير يطلق على الغنيمة وسمي فيئا لأن اللّه تعالى أفاءه على المؤمنين : أي رده عليهم من الكفار ، فإن الأصل أن اللّه تعالى إنما خلق الأموال إعانة على عبادته ، لأنه إنما خلق الخلق لعبادته ، فقد رد إليهم ما يستحقونه كما يعاد ، ويرد على الرجل ما غصب من ميراثه وإن لم يقبضه قبل ذلك . ومنه قول بعضهم : كان أهل الفيء بمعزل عن أهل الصدقة ، وأهل الصدقة بمعزل عن أهل الفيء ، كان يعطي من الصدقة اليتيم والمسكين والضعيف ، فإذا احتلم اليتيم نقل إلى الفيء أي إلى الغنيمة ، وأخرج من الصدقة فنزعه اللّه من أيديهم ، فجعله إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أي يضعه حيث شاء فدلت الآية على أن الغنيمة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خاصة ليس لأحد من المقاتلة شيء منها ، ثم نسخت هذه الآية بقوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ