الحلبي

246

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

انتفخ في درعه فملأه فذهبوا ليحركوه فتزايل : أي تقطعت أوصاله فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة . وهذا دليل على أن الحربي لا يجب دفنه ، وبه قال أئمتنا ، بل قالوا : يجوز إغراء الكلاب على جيفته . وفي سنن الدارقطني « كان من سنته صلى اللّه عليه وسلم في مغازيه إذا مر بجيفة إنسان أمر بدفنه لا يسأل عنه مؤمنا كان أو كافرا » أي ولكثرة جيف الكفار كره صلى اللّه عليه وسلم أن يشق على أصحابه أن يأمرهم بدفنهم فكان جرهم إلى القليب أيسر ، وكان الحافر لهذا القليب رجل من بني النجار ، فكان فألا مقدما لهم ذكره السهيلي . « ولما ألقي عتبة والد أبي حذيفة رضي اللّه عنه في القليب تغير وجه أبي حذيفة ففطن » بفتح الطاء « له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال له : لعلك دخلك من شأن أبيك شيء ، فقال : لا واللّه ، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا ، فكنت أرجو أن يهديه اللّه للإسلام ، فلما رأيت ما مات عليه أحزنني ذلك ، فدعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخير وقال له خيرا » . أقول : وذكر فقهاؤنا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم نهى أبا حذيفة عن قتل أبيه في هذه الغزاة وقد أراد ذلك ، واللّه أعلم . « ثم جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى وقف على شفير القليب » أي قيل بعد ثلاثة أيام من إلقائهم في القليب وذلك ليلا ، أي وفي الصحيحين عن أنس رضي اللّه تعالى عنه « كان صلى اللّه عليه وسلم إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال ، فلما كان اليوم الثالث أمر صلى اللّه عليه وسلم براحلته فشدّ عليها رحلها ثم مشى واتبعه أصحابه حتى قام على شفة الركي » أي وهو القليب « وجعل يقول : يا فلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعد اللّه ورسوله حقا ؟ فإني وجدت ما وعدني اللّه حقا » . وجاء في بعض الطرق نداؤهم بأسمائهم ، فقال : « يا عتبة بن ربيعة ، ويا شيبة بن ربيعة ، ويا أمية بن خلف ، ويا أبا جهل بن هشام » وهذا يقتضي أنه في تلك الرواية نطق بلفظ يا فلان ابن فلان ولا يخفى بعده فليتأمل . واعترض بأن أمية بن خلف لم يكن من أهل القليب لما علمته . وأجيب بأنه كان قريبا من القليب « بئس عشيرة النبي ، كنتم كذبتموني وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وقاتلتموني ونصرني الناس ، فقال عمر رضي اللّه عنه : يا رسول اللّه كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها . وفي رواية أجسادا قد أجيفوا . وفي لفظ : قد جيفوا ، فقال : صلى اللّه عليه وسلم ما أنتم بأسمع ، وفي رواية : لأسمع لما أقول منهم ، وفي رواية : لقد سمعوا ما قلت غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئا » .