الحلبي
238
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ [ الأنفال : الآية 12 ] أي مفصل ، فكانوا يعرفون قتلى الملائكة من قتلاهم بآثار سود كسمه النار . ولا ينافي ذلك وصفه بالخضرة في بعض الروايات ، لأن الأخضر لشدة خضرته ربما قيل فيه أسود ، وتلك الآثار في الأعناق ، والبنان الظاهر أن ذلك يكون موجودا حتى بعد مفارقة الرأس أو اليد ليستدل به على أن مفارقة الرأس أو اليد من فعل الملائكة ، وينبغي أن يكون هذا : أي ضربهم فوق الأعناق والبنان أكثر أحوالهم ، فلا ينافي وجود أثر ضربهم في الكتفين كما تقدم وفي الوجه والأنف . فعن بعض الصحابة رضي اللّه عنهم : كنا ننظر إلى المشرك أمامنا مستلقيا فننظر إليه فإذا هو قد حطم أنفه وشق في وجهه كضربة السوط فاحضر ذلك الموضع ، وفسر بعضهم الأعناق بالرؤوس ، وهو غير مناسب لما ذكر هنا . وروي عن سهل بن حنيف عن أبيه رضي اللّه عنه قال « لقد رأيتنا يوم بدر وأن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك » أي يرفعه عليه « فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف » ويمكن الجمع بين هذا وما قبله بأن ضرب الملائكة في الأعناق تارة يفصلها وتارة لا ، وفي الحالتين يرى أثر ذلك أسود في العنق ليستدل به على أنه من فعل الملائكة كما تقدم . وفي رواية عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه قال « انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وقد قطعت رجله وهو صريع وهو يذب الناس عنه بسيف له ، فقلت : الحمد للّه الذي أخزاك يا عدو اللّه ، قال : هل هو إلا رجل قتله قومه ، قال : فجعلت أتناوله بسيف لي غير طائل فأصبت يده ، فبدر » أي سقط سيفه « فأخذته فضربته حتى قتلته ، ثم خرجت حتى أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم كأنما أقلّ من الأرض » أي أحمل من شدة الفرح « فأخبرته ، فقال : اللّه الذي لا إله إلا هو » وفي لفظ تقدم « لا إله غيره رددها ثلاثا » وفي رواية عن ابن مسعود « فاستحلفني صلى اللّه عليه وسلم ثلاث مرات ، ثم قال : الحمد للّه الذي أعز الإسلام وأهله ثلاث مرات وخر ساجدا : أي خمس سجدات شكرا » كما تقدم . وفي رواية : صلى ركعتين . قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : ثم إنه صلى اللّه عليه وسلم خرج يمشي معي حتى قام عليه فقال : الحمد للّه الذي أخزاك يا عدو اللّه ، هذا كان فرعون هذه الأمة » زاد في لفظ « ورأس قاعدة الكفر ، ونفلني سيفه أي وكان قصيرا عريضا فيه قبائع فضة وحلق فضة » ومع قصره كان أقصر من سيف ابن مسعود فلا منافاة . أقول : يجوز أن يكون المضيّ إليه بعد إلقاء الرأس بين يديه صلى اللّه عليه وسلم استعظاما لقتله ، أي وأن ابن مسعود في هذه الرواية سكت عن قطع رأسه والمجيء بها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فلا مخالفة ؛ وقد قال له النبي صلى اللّه عليه وسلم يوما وقد أخذ بمجامع ثوبه « أولى