الحلبي

226

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

علمت بشيء من أمركم ، وما شهدت ، وما علمت ، فما صدّقوه حتى أسلموا وسمعوا ما أنزل اللّه ، فعلموا أنه إبليس هذا كلامه . قال قتادة : صدق إبليس في قوله إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ [ الأنفال : الآية 48 ] وكذب في قوله إِنِّي أَخافُ اللَّهَ [ المائدة : الآية 28 ] واللّه ما به مخافة من اللّه . قال في ينبوع الحياة : ولا يعجبني هذا ، فإن إبليس عارف باللّه ، ومن عرف اللّه خافه ، أي وإن لم يكن إبليس خافه حتى الخوف . قيل وإنما خاف أن يكون هذا اليوم هو اليوم الموعود الذي قال فيه سبحانه وتعالى يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [ الفرقان : الآية 22 ] . ورأيت عن سيدي علي الخواص أنه لا يلزم من قول إبليس ذلك أن يكون معتقدا له بالباطن كما هو شأن المنافقين . ورأيت عن وهب أن اليوم المعلوم الذي أنظر فيه إبليس هو يوم بدر قتلته الملائكة في ذلك اليوم . والمشهور أنه منظر إلى يوم القيامة ، ويدل لذلك ما روي أن إبليس لما ضرب الحارث في صدره لم يزل ذاهبا حتى سقط في البحر ورفع يديه وقال : يا رب موعدك الذي وعدتني ، اللهم إني أسألك نظرتك إياي ، وخاف أن يخلص إليه القتل . هذا ، وفي زوائد الجامع الصغير عن مسلم أن سيدنا عيسى عليه السلام يقتل إبليس بيده بعد نزوله وفراغه من صلاته ، ويرى المسلمين دمه في حربته . وفي كلام بعضهم : ولعل المراد بيوم القيامة الذي أنظر إليه إبليس ليس نفخة البعث بل نفخة الصعق التي بها يكون موت من لم يمت من أهل السماوات وأهل الأرض ، قيل إلا حملة العرش وجبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، وهؤلاء ممن استثنى اللّه تعالى في قوله وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ الزمر : الآية 68 ] ثم يموت جبريل وميكائيل ثم حملة العرش ثم إسرافيل ثم ملك الموت فهو آخر من يموت . وفي كلام بعضهم : الصعق أعم من الموت ، أي فالمراد ما يشمل الغشي وذهاب الشعور ، أي فمن مات قبل ذلك وصار حيا في البرزخ كالأنبياء والشهداء لا يموت ، وإنما يحصل له غشي وذهاب شعور ، ويكون المستثنى من القسم الأول من تقدم ذكره من الملائكة ، ومن القسم الثاني موسى صلوات اللّه وسلامه عليه ، فإنه جوزي بذلك : أي بعدم الغشي وذهاب الشعور بما حصل له من ذلك بسبب صعقة الطور . وفيه أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يجزم بذلك بل تردد في ذلك حيث قال « فأكون أوّل من رفع