الحلبي

21

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

الليلة التي واعدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لها وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا ، وكان من جملة المشركين أبو جابر عبد اللّه بن عمرو بن حرام بفتح الحاء والراء المهملتين ، سيد من ساداتنا ، فكلمناه وقلنا له : يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا ، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ، ثم دعوناه إلى الإسلام فأسلم ، وأخبرناه بميعاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فشهد معنا العقبة ، فمكثنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أي بعد هدأة ، يتسلل الرجل والرجلان تسلل القطا مستخفين ، حتى إذا اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان : نسيبة بالتصغير ، وهي أم عمارة من بني النجار ، أي وكانت تشهد الحرب مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هي وزوجها وابناها حبيب وعبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهم . وحبيب هذا اكتنفه مسيلمة الكذاب وصار يعذبه يقول له : أتشهد أن محمدا رسول اللّه فيقول نعم ، ثم يقول : وتشهد ، أني رسول اللّه ، فيقول لا ، فيقطع عضوا من أعضائه وهكذا حتى فنيت أعضاؤه ومات ، وسيأتي ما وقع لها رضي اللّه تعالى عنها في حرب مسيلمة . وأم منيع : أي وهذه الرواية لا تخالف رواية الحاكم خمسة وسبعون نفسا ، نعم تخالف قول ابن مسعود وهم سبعون رجلا يزيدون رجلا أو رجلين وامرأتان : أي منهم أحد عشر رجلا من الأوس ، قال : فلا زلنا ننتظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى جاءنا . أي وفي رواية « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبقهم وانتظرهم » . أقول : وقد يقال لا مخالفة ، لأنه يجوز أن يكون سبقهم وانتظرهم ، فلما لم يجيؤوا ذهب ، ثم جاءهم بعد مجيئهم - واللّه أعلم - ومعه عمه العباس بن عبد المطلب : أي ليس معه غيره ، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق به . أقول : وهذا لا يخالف ما جاء أنه كان معه أيضا أبو بكر وعليّ لأن العباس أوقف عليا على فم الشعب عينا له ، وأوقف أبا بكر على فم الطريق الآخر عينا ، فلم يكن معه عندهم إلا العباس واللّه أعلم ، فلما جلسوا كان العباس أول من تكلم ، فقال : يا معشر الخزرج أي قال ذلك ، لأن العرب كانت تطلق الخزرج على ما يشمل الأوس ، وكانت تغلب الخزرج على الأوس فيقولون الخزرجين إن محمدا منا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا ، فهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده ، وقد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم . فإن كنتم ترون أنكم وافون له ، بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن تدعونه ، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده ، فقال البراء بن معرور : إنا واللّه لو كان في أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه ،