الحلبي
193
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
أمر غلامه بعمله ، لأن العباس رضي اللّه عنه قدم المدينة في السنة الثامنة ، لكن في بعض الروايات « أنه صلى اللّه عليه وسلم دعا رجلا فقال : أتصنع لي المنبر ؟ قال نعم ، قال : ما اسمك ؟ قال فلان ، قال لست بصاحبه ، ثم دعا آخر فقال له مثل ذلك ، ثم دعا الثالث فقال له : ما اسمك ؟ قال إبراهيم ، قال خذ في صنعته فصنعه » وفي رواية « عمله رجل رومي اسمه باقوم ، غلام سعيد بن العاص » أي ولعله هو الذي تقدم ذكره عند بناء قريش للكعبة . وفي رواية « أنه صلى اللّه عليه وسلم أرسل إلى امرأة فقال لها : مري غلامك يعمل لي أعوادا أكلم الناس عليها ، فعمل له صلى اللّه عليه وسلم درجات من طرفاء الغابة » ويجوز أن يكون غلام العباس رضي اللّه تعالى عنه انتقل إلى ملك تلك المرأة ، وأنه كان غلاما لسعيد بن العاص ، وأنه اشترك في عمله مع إبراهيم المتقدم ذكره فنسب لكل منهما . فعلم من كلام الأصل في غير الحوادث ، أنه كان صلى اللّه عليه وسلم يخطب أولا على الجذع ، ثم على المنبر من الطين ، وأن حنين الجذع كان عند قيامه صلى اللّه عليه وسلم على ذلك المنبر من الطين ، وهو مخالف لكلامه في الحوادث ، أن حنين الجذع كان عند اتخاذه صلى اللّه عليه وسلم المنبر من الخشب ، وأنه أول منبر عمل في الإسلام . إلا أن يقال أول منبر عمل في الإسلام من خشب ، ويكون ذكر حنين الجذع عند القيام عليه من تصرف بعض الرواة ، لأن حنين الجذع لم يتكرر حتى يقال جاز أن يكون كان عند قيامه صلى اللّه عليه وسلم على المنبر من الطين ، ثم عند قيامه على المنبر من الخشب . ثم رأيته في النور رجع كلام الأصل في غير الحوادث إلى كلام الأصل في الحوادث من أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يكن له منبر من طين حيث قال : قوله أي الأصل فبنوا له منبرا ، وهذا الكلام فيه تجوّز ، يعني اتخذوا له منبرا ، وذلك لأن المنبر كان من طرفاء الغابة وهو شجر معروف هذا كلامه ، وليته عكس ، لأن هذا منه يقتضي حينئذ أن يكون صلى اللّه عليه وسلم استمر من حين خطب في المسجد إلى السنة الثامنة يخطب إلى الجذع ، لأن المنبر من الخشب اتخذ في السنة الثامنة كما تقدم عن الأصل . ويشكل عليه قول عائشة رضي اللّه تعالى عنها في قصة الإفك : فثار الحيان ، الأوس والخزرج حتى كادوا أن يقتتلوا ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على المنبر » لأن قصة الإفك كانت في سنة خمس . ثم رأيت في كتاب الشريعة للآجري عن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه « كان صلى اللّه عليه وسلم يخطب مسندا ظهره إلى خشبة ، فلما كثر الناس قال : ابنوا لي منبرا فبنوا له عتبتين » أي غير المستراح « فلما قام على المنبر يخطب حنت الخشبة » الحديث .