الحلبي
191
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وعن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال : سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو عند المنبر يقول « يأخذ الجبار بسماواته وأرضه بيده ، ثم يقول : أنا الجبار أنا الجبار ، أين الجبارون ، أين المتكبرون ؟ ويميل يعني النبي صلى اللّه عليه وسلم عن يمينه وشماله حتى نظرت إلى المنبر يتحرك حتى إني أقول : أساقط هو برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » وفي رواية عنه « فقال المنبر هكذا وهكذا ، فجاء وذهب ثلاث مرات » . وفي رواية عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها « فرجف برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منبره حتى قلن ليحزن ، وقال : منبري هذا على ترعة » بضم المثناة فوق وإسكان الراء وبالعين المهملة « من ترع الجنة ، أي أفواه جداول الجنة ، وقوائم منبري رواتب أي ثوابت في الجنة » وقال صلى اللّه عليه وسلم « منبري على حوضي » وقال « إن حوضي كما بين عدن إلى عمان ، أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، وأطيب رائحة من المسك ، أباريقه عدد نجوم السماء ، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ، وأكثر الناس ورودا عليه يوم القيامة فقراء المهاجرين . قلنا : من هم يا رسول اللّه ؟ قال : الشعثة ، رؤوسهم ، الدنسة ثيابهم ، الذين لا ينكحون المنعمات ، ولا تفتح لهم السدد ، أي الأبواب الذين يعطون الذي عليهم ولا يأخذون الذي لهم » وقال صلى اللّه عليه وسلم « ما بين قبري ومنبري » . وفي رواية بدل قبري « بيتي » وفي لفظ « حجرتي » والمراد قبره الشريف ، فإنه في حجرته ، وحجرته هي بيته صلى اللّه عليه وسلم « روضة من رياض الجنة » أي يكون بعينه في الجنة بقعة من بقاعها أي ينقلها اللّه تعالى فتكون في الجنة بعينها . وقيل إن الصلاة والدعاء فيها يستحق بذلك من الثواب ما يكون موجبا لدخول الجنة ، كما قيل بذلك في قوله صلى اللّه عليه وسلم « الجنة تحت ظلال السيوف » مع أن تلك السيوف كانت بأرض الكفر . وقيل إنها لبركتها أضيفت إلى الجنة كما قيل في الضأن إنها من دواب الجنة . وقال ابن حزم : ليس على ما يظنه أهل الجهل من أن تلك الروضة قطعة مقتطعة من الجنة . وقال صلى اللّه عليه وسلم « من حلف على منبري كاذبا ولو على سواك أراك فليتبوأ مقعده من النار » وفي رواية « إلا وجبت له النار » . أقول : وجاء « أنه صلى اللّه عليه وسلم كان على المنبر يعتمد على عصا من شوحط » وفي الهدى : لم يعتمد صلى اللّه عليه وسلم في خطبته على سيف أبدا ، وقبل أن يتخذ له المنبر كان يعتمد على قوس أو عصا ، أي وقيل كان يعتمد على قوس إن خطب في الحرب وعلى عصا إن خطب في غيره . واختلف فيها ؛ يعني تلك العصا ، هل هي العنزة التي كان يصلي إليها أو غيرها ، وما يظنه بعض الناس من أنه كان يعتمد على سيف ، وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف فمن فرط جهله هذا كلامه . وفيه أن بعض فقهائنا ذكر أن اعتماده