الحلبي

189

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

بالعنزة فطعنته في عينه فمات ، وأردت إخراجها فوضعت رجلي عليه ، ثم تمطيت فكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفها . ولما قبض صلى اللّه عليه وسلم أخذها الزبير ، ثم طلبها أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه فأعطاه إياها ، فلما قبض أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه أخذها الزبير ثم سألها عمر رضي اللّه تعالى عنه فأعطاه إياه ، فلما قبض عمر أخذها ، ثم طلبها عثمان فأعطاه إياها ، فلما قتل دفعت إلى علي ، ثم أخذها عبد اللّه بن الزبير فكانت عنده حتى قتل . « وكان صلى اللّه عليه وسلم إذا رجع من صلاة عيد الفطر وخطبته يقسم زكاة الفطر بين المساكين » ولعل المراد الزكاة المتعلقة به لأنه تقدم أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يأمر الناس بإخراجها قبل الصلاة . إلا أن يقال المراد بإخراجها جمعها له صلى اللّه عليه وسلم ليفرقها . « وإذا فرغ صلى اللّه عليه وسلم من صلاة الأضحى وخطبته يؤتى له بكبشين وهو قائم في مصلاه فيذبح أحدهما بيده ويقول : هذا عن أمتي جميعا ، من شهد لك بالتوحيد ، وشهد لي بالبلاغ » . وعند الحاكم عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنه « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذبح كبشا أقرن بالمصلى ، أي بعد أن قال : بسم اللّه واللّه أكبر . وقال : اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي » . واستدل بذلك على أن من خصائصه صلى اللّه عليه وسلم أن يضحي عن غيره بغير إذنه « ويذبح الآخر ويقول : هذا عن محمد وآل محمد ، فيأكل هو وأهله منهما ، ويطعم المساكين ، ولم يترك الأضحية قط » وهل كانت الأنبياء من بعد إبراهيم تضحي هم وأممهم أو هم خاصة ؟ وكان في مسجده صلى اللّه عليه وسلم يوم الجمعة قبل أن يوضع له المنبر يخطب ويسند ظهره إلى أسطوانة من جذوع النخل أو من الدوم وهو شجر المقل . وعبارة بعضهم « كان يخطب الناس وهو مستند إلى جذع عند مصلاه في الحائط القبلي ، فلما كثر الناس أي وقالوا له صلى اللّه عليه وسلم : لو اتخذت شيئا تقوم عليه إذا خطبت يراك الناس وتسمعهم خطبتك ، فقال : ابنوا لي منبرا فلما بني له المنبر عتبتين ، أي ومحل الجلوس ، فكان ثلاث درجات ، وقام عليه في يوم جمعة أي وخطب » وفي لفظ « لما عدل إلى المنبر ليخطب عليه وجاوز ذلك الجذع سمع لتلك الأسطوانة حنين كحنين الواله بصوت هائل سمعه أهل المسجد حتى ارتج » أي اضطرب « المسجد ، وكثر بكاء الناس لذلك ، ولا زالت تحنّ حتى تصدعت وانشقت » أي وفي رواية « سمع له صوت كصوت العشار » أي النوق التي أتى لحملها عشرة أشهر . وقيل التي أخذ ولدها . وفي بعض الروايات « كحنين الناقة الحلوج » وهي التي انتزع ولدها منها . وفي رواية « جأر » بفتح الجيم وبعدها همزة مفتوحة : أي صوت ، أو بالخاء المعجمة بلا همزة وهو بمعناه « كخوار الثور ، فنزل صلى اللّه عليه وسلم فالتزمها وحضنها » أي فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت فيسكت .