الحلبي
18
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما ، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير : هذا سيد قومه قد جاءك فأصدق اللّه فيه ، ثم قال مصعب : إن يجلس هذا كلمته . قال : فوقف عليهما متشمتا ، قال : ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة ، وفي لفظ قال : يا أسعد ما لنا ولك ؟ تأتينا بهذا الرجل الغريب تسفه به سفهاءنا وضعفاءنا . وفي رواية : علام أتيتنا في دورنا بهذا الرجل الوحيد الغريب الطريد يسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه . فقال له مصعب : أو تجلس بفتح الواو استفهاما فتسمع بالنصب في جواب الاستفهام ، فإن رضيت أمرا قبلته ، وإن كرهته كفّ عنك ما تكره : أي منعنا عنك ما تكره ، قال أنصفت ، ثم ركز حربته وجلس إليها ، فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن ، فقال : ما أحسن هذا وأجمله بالنصب على التعجب ، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له : تغتسل وتتطهر وتغسل ثوبك ثم تشهد بشهادة الحق ثم تصلي ، فقام واغتسل وطهر ثوبه وشهد بشهادة الحق ، ثم قام فركع ركعتين : أي وهما صلاة التوبة . فقد روى أصحاب السنن ، وقال الترمذي حديث حسن أنه صلى اللّه عليه وسلم قال « ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر اللّه عز وجل إلا غفر له » ثم قال لهما : إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن ، وهو سعد بن معاذ رضي اللّه تعالى عنه ، ثم أخذ حربته فانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم ، فلما نظر إليه سعد مقبلا قال : أحلف باللّه لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم ، فلما وقف على النادي قال له سعد : ما فعلت ؟ قال : كلمت الرجلين ، فو اللّه ما رأيت بهما بأسا ، وقد نهيتهما ، فقالا : نفعل ما أحببت . وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه ، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك : أي ينقضوا عهدك ، فقام سعد مغضبا مبادرا فأخذ الحربة من يده وقال : واللّه ما أراك أغنيت شيئا ، ثم خرج إليهما ، ولما أقبل سعد قال أسعد لمصعب : لقد جاءك واللّه سيد من وراءه من قومه ، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان ، فلما رآهما سعد مطمئنين عرف سعد أن أسيدا إنما أراد منه أن يسمع منهما ، فوقف عليهما متشتما ، ثم قال لأسعد بن زرارة : يا أبا أمامة واللّه لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت مني هذا ، هذا يغشانا في دارنا بما نكره ، فقال له مصعب : أو تقعد تسمع ؟ فإن رضيت أمرا قبلته ، وإن كرهت عزلنا عنك ما تكره ، فقال سعد : أنصفت ، ثم ركز الحربة وجلس ، فعرض عليه الإسلام وعرض عليه القرآن ، فقال لهما : كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين ؟ فقال : تغتسل وتتطهر وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تركع ركعتين ،