الحلبي

178

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

سبعة عشر شهرا وقيل أربعة عشر شهرا ، وقيل غير ذلك ، وتقدم أنه صلى اللّه عليه وسلم صلى في مسجده بعد تمامه إلى بيت المقدس خمسة أشهر » . والأكثرون على أن تحويلها كان في صلاة الظهر ، وقيل العصر ، أي ففي الصحيحين عن البراء « إن أول صلاة صلاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي للكعبة صلاة العصر » . وقد يقال : لا منافاة لجواز أن يكون المراد أول صلاة صلاها كلها للكعبة صلاة العصر ، لأن الظهر صلى نصفها الأول لبيت المقدس ونصفها الثاني للكعبة : ثم رأيت الحافظ ابن حجر فعل كذلك ، حيث قال : التحقيق أن أول صلاة صلاها بالمسجد النبوي صلاة العصر ، أو أن التحويل في العصر كان في محل آخر للأنصار أي وهم بنو حارثة . وقيل حولت في صلاة الصبح وهو محمول على أن ذلك كان في قباء ، لأن الخبر لم يبلغهم إلا حينئذ كما سيأتي ، وإنما حولت لأنه صلى اللّه عليه وسلم كان يعجبه أن تكون قبلته الكعبة سيما لما بلغه أن اليهود قالوا يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا . أي وفي لفظ : قالوا للمسلمين : لو لم نكن على هدى ما صليتم لقبلتنا فاقتديتم بنا فيها . وفي لفظ « كان يحب أن يستقبل الكعبة محبة لموافقة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام وكراهة لموافقة اليهود ، ولقول كفار قريش للمسلمين لم تقولون نحن على ملة إبراهيم وأنتم تتركون قبلته وتصلون إلى قبلة اليهود ؟ أي ولأنه لما هاجر صار إذا استقبل صخرة بيت المقدس يستدبر الكعبة ، فشق ذلك عليه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لجبريل : وددت أن اللّه سبحانه وتعالى صرفني عن قبلة اليهود ، فقال جبريل : إنما أنا عبد لا أملك لك شيئا إلا ما أمرت به ، فادع اللّه تعالى ، فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدعو اللّه تعالى ، يكثر إذا صلى إلى بيت المقدس من النظر إلى السماء ينتظر أمر اللّه تعالى » أي لأن السماء قبلة الدعاء ، وفي رواية ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لجبريل : وددت أنك سألت اللّه تعالى أن يصرفني إلى الكعبة ، فقال جبريل : لست أستطيع أن أبتدئ اللّه جل وعز بالمسألة ، ولكن إن سألني أخبرته ، وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زائرا أمّ بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فصنعت له طعاما ، وحانت صلاة الظهر فصلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأصحابه في مسجد هناك ، فلما صلى ركعتين نزل جبريل فأشار إليه أن صلّ إلى الكعبة واستقبل الميزاب ، فاستدار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الكعبة ، أي فاستدار النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء » أي فقد تحول من مقدم المسجد إلى مؤخره ، لأن من استقبل الكعبة في المدينة يلزم أن يستدبر بيت المقدس أي كما أن من يستقبل بيت المقدس يستدبر الكعبة ، وهو صلى اللّه عليه وسلم لو دار كما هو مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف . قيل وكان ذلك وهم راكعون ، وفيه أن هذا يستدعي عملا كثيرا في الصلاة وهو مفسد لها عندنا إذا توالى . وقد يقال : لا مانع لجواز أن يكون ذلك قبل تحريم العمل الكثير في الصلاة ،